أفيخاي بالأحضان.. صورٌ إسرائيلية تشعل جدلًا في سوريا

لم يكن الظهور الأخير للمتحدث باسم قوات الاحتلال الإسرائيلي أفيخاي أدرعي على تخوم جبل الشيخ حدثاً أمنياً عابراً. صور أدرعي وهو يجلس بين مشايخ من طائفة الموحدين الدروز في قرى في ريف دمشق المحاذية للجولان المحتل أشعلت فضاء الميديا السورية، لتفتح نقاشاً مركباً يتجاوز الجغرافيا إلى الرمزية الثقافية والسياسية.
على وقع هذا الظهور، انقسم السوريون بين من وجّه أصابع الاتهام إلى القرى التي استقبلت أدرعي ووصمها بالخيانة والتطبيع، وبين من وجّه بوصلته نحو الدولة السورية متسائلاً عن غيابها، خصوصاً أن هذه القرى تقع على بعد عشرات الكيلومترات فقط من العاصمة دمشق.
-
مواقع التصوير في بقعسم وعرنة، ضمن منطقة قطنا، ريف دمشق.
أدرعي في أحضان سوريّة
الصور التي التقطها المصوّر العسكري «الإسرائيلي» ربيع باشا، ونشرتها وسائل إعلام عبرية عدة بينها «معاريف» و«يديعوت أحرونوت»، أظهرت أدرعي محاطاً بعدد من مشايخ الدروز في مشهد وُصف بأنه «استقبال ملكي».
مصادر محلية وإعلامية حددت مواقع التصوير في بقعسم وعرنة، ضمن منطقة قطنا، حيث تقع القرى الدرزية بين جبل الشيخ وريف دمشق.
هذه المشاهد جاءت متناغمة مع السردية الإسرائيلية التقليدية عن وجود مشاريع «مدنية» تشرف عليها قوات الإسرائيلي في ظل «غياب الدولة السورية» و«حماية الأقليات» من القمع والمجازر. والتي كان وزير الخارجية السوري أسعد شيباني أثار موجة استنكار واسعة بعد تصريحه الأخير بأن الدولة لا نية لديها بإبادة الدروز.
-
وصفت صور أدرعي في سوريا عبر وسائل إعلام عبرية بأنه «استقبال ملكي».
حرب الروايات: الميديا تصنع الحدث
بينما ركزت الميديا الإسرائيلية على البعد الإنساني والسياسي للزيارة، عاشت الساحة السورية على وقع حرب روايات موازية. فالإسرائيليون قدّموا الجولة كرسالة مزدوجة: تضامن مع الدروز ورسالة ردع لبقية الأطراف على الحدود. أما المنصات السورية المعارضة والمحلية حاولت التشكيك بوصول أدرعي إلى قلب قطنا، لكنها أقرّت بأن الصور التقطت داخل قرى تحت السيطرة الرسمية.
في المقابل، حوّلت منصات التواصل الاجتماعي الحدث إلى معركة رمزية: بين من يرى في الصور إهانة للسيادة السورية، ومن يعتبرها مجرد دعاية عابرة لا تعكس واقع السيطرة على الأرض.
فراغ الدولة في الكادر
ما يلفت في الصور ليس حضور أدرعي بحد ذاته، بل غياب الدولة عن الكادر. لافتات للبلدية والمحلات تظهر في الصور من دون أي مظاهر رسمية، في تجسيد صارخ لفراغ السلطة في القرى الحدودية. منذ سقوط النظام في 8 كانون الأول (ديسمير) 2024، تحوّل الجنوب السوري إلى فضاء مكشوف أمام التحليق الإسرائيلي والمقاربات الإعلامية المتكررة التي توظّف هذا الفراغ لتعزيز رسائلها.
جدل الهوية وصناعة الوصمة
سرعان ما تحوّلت حادثة أدرعي إلى اختبار اجتماعي، أصوات اتهمت سكان القرى بـ التطبيع والخيانة، وأخرى رأت أن المجتمعات المحلية محاصرة بين خطوط النار ولا تملك خيارات سيادية حقيقية. هكذا، شكّلت الميديا فضاءً لصناعة وصمة اجتماعية على الشاشة قبل الأرض، حيث باتت القرية الحدودية تتحوّل من جغرافيا إلى رمز ثقافي‑سياسي يتنازع عليه المتابعون والفاعلون على حد سواء.

