
عاد التهويل بالحرب الصهيونية على لبنان ليطغى على الإعلام، مذكّرًا بالمشهد قبل عام من الآن تمامًا. صحيح أنّه لا يمكن التنبّؤ بما يمكن أن يقدم عليه العدوّ والمجانين الذين يحكمون كيانه، غير أنّ هناك اختلافات كثيرة عن العام الماضي، أوّلها أنّ المقاومة لم تعد في حرب إسناد، وتلتزم الآن اتّفاق وقف إطلاق النار بحزم، ومن جانب واحد.
على أساس حرب الإسناد هي المشكلة!
ما سبق يُظهر أنّ التهويل الإعلامي لا يتعلّق بوجود حرب إسناد من عدمها، وأنّ مهما فعلت المقاومة فسيكون هناك دائمًا مطالب إضافية من الأعداء، غالبًا ما تتمظهر عبر التهويل الإعلامي والحرب النفسية التي يشنّها العدوّ وتشارك فيها وسائل إعلام لبنانية وعربية. علمًا أنّ ثاني الاختلافات عن العام الماضي يكمن في النشوة التي يشعر بها أعداء لبنان، وهو ما ينعكس أيضًا على الإعلام.
في العام الماضي كان التهويل يطالب – ظاهريًّا – بوقف حرب الإسناد و«عدم الزجّ بلبنان في صراعات الآخرين على أرضه» و«حصر قرار الحرب والسلم بيَد الدولة». أمّا اليوم، فيهدف التهويل إلى نزع سلاح المقاومة، بالكامل، ما يعني عدم إمكانية لبنان الاستفادة من أيّ ورقة قوّة حتّى ولو كانت بيَد المؤسّسات الرسمية وعلى رأسها الجيش. والأنكى أنّ ذلك يأتي تحت مطلب مضلّل هو «حصر السلاح بيَد الدولة» أو «تسليم السلاح»، وكلاهما ليسا شعارَين يكذب عبرهما الإعلام كما مطلقيهما من قوى خارجية ودمى داخلية فحسب، بل هما أيضًا منافيَين للمنطق، في وقت تقتل «إسرائيل» مدنيّين لبنانيّين يوميًّا وليس هناك ما يردعها، بينما يتربّص الخطر التكفيري بلبنان من الجهة الشرقية.
لم يعد هناك حياء
هكذا، بات إطلاق الشعارات عن نزع السلاح «مثل شربة الماء»، بينما كانت حتّى الأمس القريب تستدعي قدرة عالية لدى الوسيلة الإعلامية على تحمّل ردّة فعل الجمهور، وهو ما حصر هذا النوع من الشعارات بعدد من وسائل الإعلام المتطرّفة أو المرتهنة، فيما كانت الأخرى – إذا لم تكن داعمة للمقاومة – ترغب على الأقلّ بحفظ ماء وجهها.
على سبيل المثال، وفي مقدّمتها المسائية يوم الإثنين الماضي، وبعد أن انتهت من الحديث عن تشييع زياد الرحباني واستخدام عبارات الإطراء للراحل، انتقلت «الجديد» إلى التضادّ الكامل لمعتقدات الراحل التي كانت تثني عليها، وظهرت «فجأة» الأجندة المتماهية مع الأعداء، إذ أوردت أنّ «لبنان واقع بين حدَّين: لا ضمانات أميركية بلجم «إسرائيل» لوقف اعتداءاتها المتواصلة على لبنان ولا قدرة للسلاح على التصدّي لها. فأين يقع «حزب الله» بين الخيارَين؟ وماذا لو سلك رأي الشجعان وقطع نصف الطريق نحو التسليم بقرار الدولة، من باب المسؤولية تجاه لبنان وحكومته وجيشه وشعبه لتخفيف الضغط عن العهد والحكومة معًا، كون المطلب الوحيد اليوم لعودة لبنان إلى الحضن العربي والدولي هو تسليم السلاح الثقيل؟».
دور مشبوه لجوزفين ديب
تدأب «الجديد» أيضًا على نشر أخبار تهويلية على موقعها وصفحاتها الافتراضية، تُنسب بغالبيّتها إلى مراسلتها جوزفين ديب التي غالبًا ما تكون خيار القناة الأنسب عندما تريد مراسلاً من واشنطن، وتواظب ديب على مقابلة مختلف المسؤولين الأميركيّين. أحد الأخبار التهويلية يورد مثلاً أنّ «رسائل دولية وصلت إلى لبنان تفيد بأنّه مقبل على تصعيد في شهر آب ما لم تتّجه السلطة اللبنانية مجتمعة الى اتّخاذ اجراءات لمواكبة الأجندة الدولية»، فيما «يؤكّد» آخر على «موقف واشنطن أنّ لبنان أمام مفترق طرق خطير»، وهكذا.
بين mtv و«النهار»: اتّكلنا على الله!
على mtv، حدّث ولا حرج. فكلّ يوم مناسبة جديدة للتحريض. يكاد لا يمرّ يوم من دون مقدّمة تتطرّق إلى نزع السلاح و«تنقّ» عليه. حتّى عيد الجيش، استغلّته القناة لتمرّر سمومها تحت شعار «الدولة»، وأتتها جلسة مجلس الوزراء المزمع عقدها حول «حصر السلاح» بمثابة مناسبة «للدبكة». ومن المتوقّع أن يزداد الاستثمار السياسي مع الذكرى الخامسة لانفجار مرفأ بيروت في 4 آب، كما عادة القناة في كلّ سنة. من جهتها، كانت صحيفة «النهار» على خطى mtv، فتتصدّر العناوين عن «السلاح» و«الدولة» يوميًّا، ولم تعرف «معايدة» الجيش غير عبر شعار «لا سلاح إلّا سلاحك». كما بدأت باكرًا التحضير للتحريض الذي سيأتي غداة ذكرى الانفجار، فتصدّر الموضوع غلاف عددها لأوّل الشهر.
LBCI: تقيّدوا بالشرع!
من جهتها، تتطرّق LBCI و«تلفزيون لبنان» إلى الموضوع بلغة تشبه اللغة الرسمية عنه، وهو أمر متوقّع من التلفزيون الرسمي كونه ينطق باسم الجهات الرسمية. لكن في حالة LBCI، تنطبق نظرية دسّ السمّ في العسل، إذ تخبّئ القناة ما في جعبتها من تحريض بين سطور التقارير. ويمكن لمشاهدي القناة الدوريّين ملاحظة تكرارها وجوب الامتثال بـ«تجربة سوريا» و«الاقتداء بالشرع الذي لبّى مطالب المجتمع الدولي» وبسبب ذلك «أتته الاستثمارات من الدول الغربية والعربية» (المقصود طبعًا كبح أيّ سلاح يمكن أن يشكّل خطرًا على كيان الاحتلال). هو تنافر معرفي نافر عندما يأتي مقرونًا باحتلال وتدمير صهيونيَّين لسوريا، ومجازر كما في الساحل والسويداء، إذا ما أُخذ بالاعتبار أنّ القناة تنقل جميع هذه الأحداث وتعطيها أهمّية وتنتقد السلطات السورية بسببها.
«الحدث»: بيروت ستُحاصَر!
أمّا الإعلام الخليجي، ولا سيّما السعودي منه المعروف بعلاقاته بالاستخبارات الصهيونية، فيرفع التهويل درجة إضافية. لكنّ المشكلة أنّ هذا الإعلام لم يعد بحاجة إلى العمل كثيرًا على التحريض، فيستند إلى تصريحات مسؤولين لبنانيّين رسميّين، مثل رئيس الحكومة نوّاف سلام ووزير العدل عادل نصّار ووزير الخارجية جو الصدّي وغيرهم. وحتّى ينسب إلى مصادر يسمّيها «إعلام لبناني». ومن الأخبار التهويلية التي نشرتها قناة «الحدث» قبل أيّام واحد مفاده: «مصادر دبلوماسية لـ«الحدث»: الأراضي اللبنانية مهدّدة بالقصف إذا رفض «حزب الله» تسليم سلاحه، والتهديدات تمتدّ لتصنيف بيروت ضمن اللائحة السوداء والضغط عليها بمنع استيراد النفط والقمح وتقييد الحوّالات المالية». فيما تنشر قناة «العربية» تقاريرَ تتحدّث عن تدمير «إسرائيل» مخازنَ صواريخ أو قتلِها قياديًّا في «حزب الله» أو حتّى ما ادّعت القناة أنّه «استعداد «حزب الله» للحرب».
تهويل مضادّ
هكذا تكون اكتملت الصورة عن حرب نفسية تُشنّ ليس فقط على المقاومة، بل على كلّ اللبنانيّين، ولم يبقَ أحد من الموزاييك السياسي إلّا وقرّر أنّه يريد «بلّ يده» فيها. الأنكى أن يتحدّث أركان السلطة عن الموسم السياحي – فالقصف اليومي لا يؤرّقهم بسبب قتل المدنيّين بقدر ما يفعل خوفًا على السياحة – فيما التحريض هذا ومشاركتهم في الحرب النفسية تفعل فعلها من تأثير سلبي على هذا الموسم. بل إنّ نزع السلاح نهائيًّا، أيًّا كان حامله، قد يعني تهديدًا وجوديًّا للبنان لا يعود فيه أيّ موسم سياحي، بل لا يعود فيه أحد أساسًا. والكلام هذا تهويل مقصود أسسه مدعّمة بالمنطق، موجّه لأصحاب التهويل ذات الأسس المفبركة التي تهدف إلى جرّنا إلى المجهول تحت حجّة تجنّب ويلات هي أساسًا وهمية، أو على الأقلّ مفتعلة!

