
هناك العديد من المراجعات الفنية الغربية والعربية، التي تمدح صرخة آل باتشينو الصامتة في فيلم «العراب»، أو صرخة منى واصف الجارحة في «أسعد الوراق»، بوصفها تجسيداً لألم ومشاعر واقعية، لكن هل تحظى الصرخات اليومية القادمة من فلسطين وتحديداً قطاع غزة هذا الاهتمام والتعاطف؟
على رصيف الانتظار في غزة، حيث الجوع يصطفّ في طوابير طويلة، كان عبود بطّاح يرفع هاتفه، يلتقط صورة أخرى للحصار الذي صار جزءاً من يومياته. فجأةً، دوّى صوت الرصاص. سقط عبود أرضاً مصاباً في فخذه، لكنه لم يترك هاتفه.
الوريث الشرعي للزميلة الشهيدة شيرين أبو عاقلة
المراهق الفلسطيني، قدّم نفسه للجمهور العربي أول مرة قائلاً «معكم الوريث الشرعي للزميلة الشهيدة شيرين أبو عاقلة.. أقوى مراسل في العالم عبود بطاح». هكذا سرق اهتمام العالم وقلوبهم، وهكذا أصيب برصاص الاحتلال بينما يوثّق مشهداً لم يعد يثير دهشة العالم: مدنيون ينتظرون فتات المساعدات في ظل تجويع ممنهج.
وجه غزة المحاصرة
على منصّات «إكس» و«إنستغرام»، صار عبود وجهاً لغزة المحاصرة. شاب لا يحمل بندقية، بل كاميرا هاتف، يقدّم صورة عن المراهق الفلسطيني في زمن السوشال ميديا.
تعرّض سابقاً للاعتقال والتنكيل لفترة قصيرة، حبست العالم أنفاسها في انتظار عودة مقاطعه المصورة في إنستغرام. مُراسلٌ من قلب الركام، يسابق موتاً يومياً ويُبقي غزة حيّة في ذاكرة العالم الرقمي.
في عصرٍ غارق في التفاهة، يذكّر عبود المتابعين أنّ خلف الشاشات وجوهاً حقيقية، وأطفالاً حقيقيين، وحصاراً ينهش حياة المدنيين. يراقبه العالم يكبر ويذوي منذ عامين على شاشات الهواتف الذكية.
مأساة العجز العربي
لكن التفاعل مع ما ينقله عبود وأقرانه يفضح مأساة أخرى، هي مأساة العجز. الجمهور العربي، كما الغربي، يكتفي بالمشاهدة والتعاطف. لا فعل جماهيرياً حقيقياً على الأرض، ولا موقف عربياً موحّد قادر على كسر الحصار. صرخة الأسير اللبناني المحرّر من السجون الفرنسية، جورج إبراهيم عبد الله، لا تزال ترنّ في الأذهان: «كيف يستمر تجويع غزة بجوار مئة مليون عربي، وبقرب مكة المسلمين؟». سؤال يجلد الصمت المصري والسعودي قبل أن يدين العالم كلّه.
كلام عبد الله يعيد إلى الأذهان، تكرار مأساة إغلاق المعابر وغياب أي دور عربي عسكري أو شعبي لصالح غزة وأهلها، وقد أشار لها سابقاً الشهيد يحيى السنوار في روايته «شوق وقرنفل»، حيث تحدث عن اختفاء وغياب الجنود المصريين عن المعبر، في كل مرة كانت تتعرض فيها غزة لعمليات توغل وحصار من القوات الإسرائيلية.
كسر جدار التجاهل الدولي
ورغم قسوة هذا العالم، لم تسمح غزة لوجهها أن يذوب في الأرقام. أطفالها ومدنيوها احتفظوا بملامحهم وبأسمائهم في مواجهة ماكينة الإبادة. عبود واحد منهم، يحاول كل يوم أن يكسر جدار التجاهل الدولي ويواجه الدعاية الإسرائيلية الكاذبة، بينما يظلّ الإعلام العربي أسير قصوره المزمن. صورة عبود وهو ينزف على الرصيف هي امتداد لصورة شيرين أبو عاقلة التي سقطت أمام الكاميرات. الفرق الوحيد أنّ عبود هذه المرّة نجا...
مع ذلك، يظلّ السؤال معلّقاً فوق الركام: من لم يمنح شيرين العدالة، هل سينتصر لعبود؟ وهل ستولد لحظة ينجح فيها العرب في إنقاذ ما تبقّى من كرامتهم المسفوحة على معابر غزة المقفلة؟


