الـ «مخطوفون»... جرح الوطن المفتوح
في الذكرى الخمسين لاندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، عُرض فيلم «مخطوفون» (1998) للمخرج بهيج حجيج أخيراً في «بيت بيروت »


في الذكرى الخمسين لاندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، عُرض فيلم «مخطوفون» (1998) للمخرج بهيج حجيج أخيراً في «بيت بيروت ». «لدينا سلاح الحق وسلاح الأمل ». بهذه العبارة تختصر مؤسِّسة «لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان» وداد حلواني علاقتها الطويلة والمؤلمة بقضية المخطوفين وصراعها المستمر منذ اختطاف زوجها عدنان حلواني خلال الحرب الأهلية اللبنانية (1975 ـ 1990). لكنّها، بعد لحظة صمت، تطرح سؤالاً جوهرياً: ما هو الأمل؟ ما ملامحه؟ وما مدى موضوعيته؟ تساؤل يكشف وعياً عميقاً بتلاشي ملامح الأمل مع الزمن.
الأمل في هذه القضية ليس شعوراً عابراً أو طاقة إيجابية موقتة، بل مكوّن جوهري يرتبط عضوياً بقضية المخطوفين والمغيّبين قسراً. إنه محرّك الصراع وسلاح مقاومة ضد النسيان، وسعي متواصل نحو كشف الحقيقة. فقد تغيّر معيار الأمل: من انتظار عودتهم، إلى التمسّك بحق معرفة مصيرهم.
في مواجهة سياسات السلطة التي تسعى إلى طمس الذاكرة الجماعية وبناء مجتمع يخاف ماضيه ويتواطأ على نسيانه، يتحوّل الأمل إلى موقف وجودي. لا يتناقض مع مشاعر اليأس أو القلق أو الحزن، بل يتجاوز ثنائية «التفاؤل والتشاؤم»، ليُصبح فعل مقاومة، ومعياراً إنسانياً في قضية لا تزال جرحاً مفتوحاً.
بعد خمسين عاماً... هل الأمل سؤال مشروع؟
في الذكرى الخمسين لاندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، عُرض فيلم «مخطوفون» (1998) للمخرج بهيج حجيج أخيراً في «بيت بيروت »، المبنى الذي كان مركزاً للقناصين، والمطلّ على أحد خطوط التماس التي فصلت بيروت الغربية عن الشرقية خلال الحرب. اختيار هذا المكان ليس مجرّد تفصيل رمزي، بل فعل احتجاج سياسي بحدّ ذاته. فالمبنى نجا من جرافات إعادة الإعمار التي سعت إلى محو آثار الحرب، بفضل جهود ناشطين أصرّوا على الحفاظ عليه كشاهد حيّ من الذاكرة.
جاء هذا العرض في سياق معركة أوسع من مجرد عرض سينمائي. إنها معركة من أجل الذاكرة في وجه خطاب سلطوي يسعى إلى طمس آثار الحرب، بما في ذلك قضية المخطوفين والمغيّبين قسراً. فمحو الذاكرة يعني طمس هذه القضية، وإنكار وجودها كجرح لم يندمل بعد.
في هذا السياق، يعود سؤال الأمل كقيمة سياسية ومعرفية: كيف نتمسك بالأمل في ظل محاولات منظمة لمحو الذاكرة؟ الأمل هنا لا ينفصل عن التمسّك بالحق والسعي إلى الحقيقة. فبدون ذاكرة حيّة، لا يمكن تحقيق العدالة، ولا يمكن بناء سلام حقيقي أو تصور مستقبل وهوية جامعة.
صرخة لمعرفة الحقيقة
يقدّم فيلم «مخطوفون» مجموعة من شهادات أهالي الذين اختُطفوا خلال سنوات الحرب، من مختلف الأطراف والطوائف والانتماءات السياسية. يعرض هذه القضية كما هي فعلاً: قضية إنسانية جامعة، تُظهر قبح الحرب وعشوائية عنفها، الذي لا يميّز بين هوية وأخرى، بل يجرف كل من يعترض طريقه، ليجعل من الألم الشعور الوحيد المشترك في ظل واقع سياسي معقّد.
يقدم الفيلم وداد حلواني كشخصية محورية ، ونرى عملها الدؤوب على توثيق أرشيف المخطوفين: الأسماء، التفاصيل، القصص، والوجوه. نلمس حجم الجهد الشخصي الهائل الذي تبذله في قضية كان يُفترض أن تكون وطنية في الدرجة الأولى. يتابع الفيلم لاحقاً شهادات لعدد من العائلات التي فقدت أبناءها، أطفالاً كانوا أم شباباً، رجالاً خرجوا فقط لإحضار الخبز، آباء وأبناء وإخوة اختطفوا من دون تمييز، ومن دون تفسير.
ورغم تنوّع القصص، والاختلافات الطائفية والسياسية بين العائلات، إلا أنّ جميعها تشترك في خطاب سياسي واضح، موجّه ضد أمراء الحرب الذين أصبحوا السلطة، وضد سياسة النسيان المفروض بالقوة. خطاب مسلّح بسلاحي الحق والأمل، لكنه لا يلغي البُعد الإنساني المعقّد، بل يُعمّقه ويمنحه صوتاً.
قدّم الفيلم هذه الشهادات ضمن سياق سياسي، اجتماعي، وإنساني، بمستوى عالٍ من الوعي الذي يجمع بين الكلّي والجزئي، بين المأساة الجماعية والتجربة الفردية. في النهاية، ما تعيشه هذه العائلات المعلّقة على خطوط البرزخ، هو انعكاس لحكاية بلد بأسره: بلد معلّق، ومصيره بدوره لا يزال مجهولًا.
أن نحصّن مجتمعنا ضد حرب جديدة
تبع عرض الفيلم نقاشٌ مع بهيج حجيج ووداد حلواني، أثار عدداً من الأسئلة الجوهرية حول عمل لجنة أهالي المخطوفين، التي نجحت في انتزاع قانون عام 2018 يضمن حق العائلات في معرفة مصير أحبّائهم. دار الحديث حول آليات النضال الراهنة من أجل تطبيق هذا القانون، والتحديات التي لا تزال تعترض سبيله.
كان النقاش مهماً بقدر أهمية عرض الفيلم نفسه؛ إذ وضع العمل الفني في سياق فعل سياسي واجتماعي مستمر، يسعى إلى الحفاظ على الذاكرة، ويربط بين مختلف الحقول المعرفية: من النشاط الحقوقي والمجتمعي، إلى العمل الثقافي والفني. فالحفاظ على الذاكرة ليس مجرّد ترف رمزي، بل ضرورة وطنية، كما تؤكد وداد، لأنّ قضية المخطوفين قضية جامعة تخص الوطن بأكمله.
من خلال الإصرار على التذكّر، والسعي إلى الفهم، ومعرفة الحقيقة، كما تقول، «نحاول أن نُحصّن المجتمع من حرب جديدة ». فالنسيان، حين لا يرافقه تحقيق للعدالة، هو طريق مضمون لتكرار المأساة.
