
مع تصاعد الحملات الإعلامية والشعبية في الولايات المتحدة ضد حرب الإبادة في قطاع غزة، وجدت إسرائيل نفسها مضطرّة لشنّ حرب إعلامية مضادة لتنظيف أيدي قواتها من أكثر من 59 ألف فلسطيني قتلتهم خلال 22 شهراً، بينهم ما لا يقل عن 1,200 طفل قضوا جوعاً بفعل الحصار.
ففي قلب ساحة «تايمز سكوير» في نيويورك، ظهرت لوحات رقمية ضخمة تموّلها إسرائيل تتهم وسائل الإعلام العالمية بنشر «أخبار مزيفة» عن المجاعة في القطاع. الإعلان، الذي بُث أمس الأحد، عرض صورة مسلح يُفترض أنّه الناطق الرسمي لحركة «حماس» أبو عبيدة، بجانبه شعارات قنوات إخبارية عربية تحت عبارة «أوقفوا الأخبار المزيفة»، في محاولة مكشوفة لتكذيب تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية التي دقت ناقوس الخطر بشأن المجاعة المتفاقمة.
الرسالة ليست موجهة فقط ضد الإعلام العربي أو الدولي، بل تهدف قبل أي شيء إلى تشويه أي محتوى يوثّق جرائم الاحتلال، وتقديم المجاعة باعتبارها «خدعة دعائية». هذه الاستراتيجية تسير جنباً إلى جنب مع تحركات إسرائيلية سابقة في الجامعات الأميركية والبرلمانات الأوروبية، لتجريم أي نقد لسياسات الاحتلال وربطه بما تسميه «التحريض» أو «الكراهية».
The Israeli embassy paid for this mendacious ad in Times Square
— Max Blumenthal (@MaxBlumenthal) August 3, 2025
It is arguably the most prominent display of Holocaust denial in American history pic.twitter.com/5oAHPU4PnX
الاحتلال في قلب الفضاء العام الأميركي
لم تكن مصادفة اختيار ساحة «تايمز سكوير»، أحد أكثر الفضاءات العامة شهرة وزحاماً في العالم، فالهدف هو التأثير على الرأي العام الأميركي الذي بدأ، وفق استطلاعات، يُبدي تعاطفاً متزايداً مع الفلسطينيين وصلت أصداؤه إلى صقور اليمين الأميركي نفسه، الذي بدأت تخرج أصوات منه تتساءل عن سبب انغماس السياسيين الأميركيين في دعم الصهيونية إلى درجة غير مبرّرة.
بهذه الخطوة، تحاول إسرائيل قلب المعادلة، من دولة متهمة بارتكاب جرائم إبادة إلى «ضحية الأخبار المضللة»، مستفيدة من منصات الدعاية الكبرى لتقويض الحقيقة.
إنها ليست مجرد لوحة إعلانية، بل سلاح في حرب الرواية، حيث تُستبدل الحقائق بالصور والشعارات، ويُحاصَر الصوت الفلسطيني حتى في قلب مدينة تدّعي أنها عاصمة حرية التعبير. لكنّ حرب إسرائيل الإعلامية مهما تملك من إمكانيّات وعلاقات، إلا أنّها تواجه معركة من الصعب أن تفوز فيها، لأن الحقيقة الموثّقة التي خرجت من بين آهات الفلسطينيين في القطاع المحاصر تردّداتها أشدّ على الضمير الإنساني من إعلانات لا تستند على أي مصداقية.

