«مشقلب»: فسيفساء سينمائية تعكس انهيار لبنان
في أعقاب التفكك الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في لبنان، يصل فيلم «مشقلب» كمحاولة سينمائية تعكس الفوضى السائدة.


ثمة إغراء في التشظّي السينمائي. ليس الفوضى، بل التشظّي المنسّق. أن تعترف بتعدّد الأصوات، وتعيد ترتيبها داخل منطق سردي خاص. في لبنان، رفاهية هذه الفكرة السينمائية نادرة جداً، تكاد تكون غير موجودة. لكنّ هذا التمزق البنيوي الذي يشكّل واقع البلد، نجده جلياً في أفلام الإسكتشات (Anthology Film) التي لا تدّعي التماسك، بل تعكس تناثراً واعياً. لا تعتمد هذه الأفلام على الاستمرارية السردية، بل تتغذّى على الانقطاع، على الإيقاع، على الصدمة الشعورية. أفلام الإسكتشات لا تُبنى على سرد واحد، بل على خيوط متباينة، حيث كلّ فيلم ينبض بنغمته الخاصة. تربط هذه الأفلام القصيرة المستقلة خيوط رمزية، فكرة ملحّة، أو تيمة تُرى من زوايا متناثرة. هذا النوع لا يطلب من المشاهد تتبّع مسار واحد، بل يحرّضه على التورط في التناقض.
وحدة الشكل وتعدد الأصوات
ما يميز هذه الأفلام أن طبيعتها المجزأة تعكس بشكل واضح هواجس موضوعها الموحد. في «أغنية باستر سكروجز» (2018)، تُتقن السخرية القدرية ببراعة، بينما يحوّل جيم جارموش التكرار والتقشف إلى نغمة فلسفية هادئة في «قهوة وسجائر» (1993 - «Coffee and Cigarettes»). يتعثر «قصص نيويورك» (2010) بين رؤى مخرجيه، ما يكشف هشاشة الرؤية الفردية داخل قالب مشترك. أما «جسور سراييفيو» و«لكل سينماه» (2014) فهما طقوس ثقافية.
-
قطعة سما
كلّ فيلم قصير يعمل كذاكرة جماعية أو عشق للسينما. لنأخذ الأول مثلاً، الذي يجمع ثلاثة عشر فيلماً قصيراً لمخرجين أوروبيين للتأمل في الندوب الثقافية والسياسية للمدينة. يتناقض تأمل جاك لوك غودار في اللغة والحرب بشكل حاد مع صورة كامين كاليف المنزلية الهادئة. ومع ذلك، فإن كلا الجزأين يعكس قلقاً مشتركاً بشأن ذاكرة الصراع. وبينما لا يوجد شيء من اللطف في «أنواع اللطف» (2024)، يستخدم داميان سزيفرون الانتقام كعامود فقري في فيلمه «قصص جامحة» (2014) لكن كلّ قصة تتباعد في نبرتها، من الكوميديا التهريجية إلى المأساة. وتنبض أفلام مثل «Beirut 6:07» و «18 يوم» بالتجريب، وتنبع قوتها من كون المقاومة الفنّية هي غريزة سينمائية.
«مشقلب»: أصوات متعددة وضجيج واحد
في أعقاب التفكك الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في لبنان وأحداثه المتسارعة، يصل فيلم «مشقلب» كمحاولة سينمائية تعكس الفوضى السائدة. يأتي الفيلم الذي طُرح أخيراً في الصالات، على شكل مختارات من أربعة أفلام قصيرة، أنجز كلّ منها مخرج لبناني، بفكرة واحدة هي الانهيار المجتمعي. لوسيان بورجيلي، وبان فقيه، ووسام شرف، وأريج محمود يقتسمون الشاشة كما لو أنّهم يقتسمون عبء المرحلة: انهيار 2019، وانفجار المرفأ، مروراً بالاحتجاجات، واليأس، والانتحار كجلسة تدريبية، والنيزك كخلاص. الإحساس العام بالاختناق، يربط قصص الفيلم الذي يُعد كفسيفساء من الأصوات تتصارع مع انهيار البلد. لكن ماذا يحدث عندما تفشل الفسيفساء في التماسك؟
غياب التماسك
يبدو «مشقلب» غير متماسك، حيث تتفاوت جودة الأفلام الأربعة. يتباعد الفيلم بشكّل حاد في الرؤية والجودة، ويكشف عن تحدّ رئيسي في صيغة الإسكتشات: كيفية موازنة التعبير الفردي مع التماسك الجماعي. فشكل أفلام الإسكتشات، الذي يمكن أن يكون أداة قوية لسرد القصص متعددة الأصوات، يكشف هنا عن نقاط ضعفه الخاصة: عندما لا تتحدث الأجزاء مع بعضها، فإنّ الكلّ يخاطر بأن يصبح ضجيجاً.
لوسيان بورجيلي: كاميرا ضائعة وتمارين على الانفعال
يوحي فيلم «المجموعة» لبورجيلي بأنّه يتجه نحو لحظات تفجيرية أو انكشافات كبيرة، لكنّه لا يبلغها تماماً. تدور القصة خلال الاحتجاجات في بيروت، حيث يجتمع ناشطون في بيت أحدهم ليخطّطوا لتحرّك جريء ضد مجلس النواب، إلى أن يكتشفوا أنّ هناك من يتنصّت عليهم. يُقحم «المجموعة» نفسه في تفاصيل متكرّرة وغير ضرورية، ما يثقل الإيقاع ويشتّت التماسك، مع ضعف واضح في الأداء الجماعي، الذي يفتقر إلى التناغم والتفاعل الحقيقي بين الشخصيات.
-
في ضواحي بيروت
عندما تحتشد الشخصيات الكثيرة داخل غرفة واحدة، تلجأ الكاميرا إلى التلصّص من فوق الرؤوس والكتفين لالتقاط ما يجري. تنجح هذه الطريقة في بناء التوتر البصري ووضع المشاهد في الحدث. ولكن في حالة «المجموعة»، عزّز هذا التكنيك الشعور في الاقصاء، بسبب عشوائية توزيع الشخصيات في الغرفة ومعها الكاميرا التي تبدو ضائعة، وعاجزة عن تنظيم المشهد، مثل المشهد الذي تكتشف فيه الشخصيات أنّها مراقبة، من تفحّص الهواتف إلى البحث عن الميكروفونات، كل شيء يحدث بسرعة وبدون تصعيد. والنتيجة مشاهد مسطّحة، لا تسمح للحظة أن تتطوّر، تمرّ كأنّها محطات إلزامية في الحبكة، تُنفّذ ثم تُهمل، مما يجعل التحولات السردية مفتعلة ومحاولات لإثارة توتر مفقود. يبدو الفيلم كأنه تمرين خضع للتصوير، فتحوّل الفيلم إلى حالة من الضجيج المتواصل، حيث يطغى الصراخ على التعبير، وتضيع القصة والشخصيات في زحمة الانفعال غير المبرّر.
بان فقيه: ثورة على الشاشة وانفجار في البيت
أمّ وبناتها الثلاث يشكّلن محور فيلم «في ضواحي بيروت» لبان فقيه. لا يغادر الشريط حدود الشقّة كسجن رمزي مع والدة متشددة، تتراكم فيه التوترات والانفعالات. يبدأ كلّ شيء عندما تكتشف الأم أنّ ابنتها المتمردة شاركت في الثورة، رغم أن العائلة تنتمي لتيار سياسي يعاديها بوضوح. هذا الكشف يفضح هشاشة الثوابت العائلية، ويفتح الباب أمام مواجهة قاسية، حيث تظهر التناقضات السياسية والاجتماعية والشخصية. تنكشف علاقة أفراد الأسرة ببعضهم كأشخاص لم يكونوا صادقين مع أنفسهم ولا مع بعضهم.
-
المجموعة
تترك بان فقيه الأحداث تتدفق بسلاسة، تختبر صبرك قليلاً، لا تأتيك بكلّ شيء دفعة واحدةً. تعطي المشاهد مساحته لرؤية ما يحدث، ولكنها في الوقت نفسه لا تجعله يشرد وتنعطف به بسرعة ليس فقط في كلّ مشهد، بل مع كلّ عبارة تُقال. في «في ضواحي بيروت»، تعيش دراما إنسانية ومشاكل واقعية تحصل كأنك تشاهدها على عتبة بابك. تكشف فقيه عن موهبة في بناء التوتر، وتربك مشاهديها وشخصياتها بثبات، وتنجح في قصتها داخل البيت. لكنّ مشاهد الثورة على التلفزيون ومذيعة قناة «الجدير»، وإن كانت لامعة كملاحظة ساخرة، إلا أنها تبدو مفروضة على نسيج الفيلم. كأن فقيه صوّرت الفيلم ثم أُدخل إلى «مشقلب»، فاضطرت لإضافة عناصر تبدو مفككة. في الحقيقة، ينجح الفيلم بدونها، خصوصاً أنّ القصة الأساسية تمتلك من النضج والتوتر السينمائي ما يكفي لتنجح بمفردها.
وسام شرف: العبث والسخرية كموقف سينمائي
بعد انفجار مرفأ بيروت، يلتقي مالك، مدرّب الحياة السابق الذي يريد الانتحار، بسعيد، أحد زبائنه السابقين، على مقعد في حديقة، في لقاء عابر يعيد تشكيل مصيرهما. هذا الانطلاق البسيط يتحوّل لدى وسام شرف إلى مساحة للتأمل الماكر في الواقع اللبناني، حيث يصرّ على تناول المأساة من زاوية جديدة، تحاكي عبثية الحياة لا مأساويتها. من شاهد أفلام شرف السابقة مثل «حديد نحاس بطاريات»، لن يفاجأ بفيلم «لا داعي للهلع» بعنوانه ومزاجه الساخر الذي يرفض الأنماط السينمائية اللبنانية الجاهزة عند التعامل مع قضايا واقعية كبرى.
انفجار المرفأ والأزمة الاقتصادية وضعف الانتصاب يتناولها وسام شرف بخفة استفزازية
انفجار مرفأ بيروت، الأزمة الاقتصادية والصرّافون، الانتحار، والرجولة المتمثلة بالحجم وضعف الانتصاب، يتناولها شرف بخفة استفزازية وتمرد تعبيري، تماماً كما فعل في فيلمه القصير السابق «إذا الشمس غرقت في بحر الغمام». يمزج شرف الكاريكاتور السياسي والاجتماعي بالنكتة العابرة، ويولد توتراً بين السخرية والصدق، ليطرح معضلات أخلاقية تزعزع ارتياح المتفرّج وتفضح اضطراب الأولويات الاجتماعية. عبر السخرية والتهكّم، تصبح أفلام شرف من بين أكثر الأعمال السينمائية اللبنانية المعاصرة جرأة وتحرراً شكلياً. لا يخشى شرف تفكيك الخطاب التقليدي، بل يقلبه ويعيد تركيبه ضمن مقاربة تجمع بين العبث والفكاهة والمفارقة. هكذا ينشأ حوار سينمائي لا يدّعي الحياد، بل يستفز، ويهزّ مفاهيم الراحة الأخلاقية، ويكشف هشاشة البنى الاجتماعية والسياسية.
أريج محمود... نكتة أفضل من فيلم
أثناء عرض كوميدي، يطلق شاكر بو عبدالله نكتة يقول فيها إنّ الحلّ الوحيد لمشاكل لبنان هو نيزك يمحو البلد عن وجه الأرض. بعد أيام، يظهر نيزك حقيقي في السماء، فيتهّم شاكر بأنه استدرجه للقضاء على البلد، فيهرب سكّان المدينة، ويصبح بطلنا وحيداً في شوارعها الفارغة. في فيلم «قطعة سما» لأريج محمود، تتحوّل هذه المزحة إلى محور سردي لفيلم لا يقدم أي شيء جديد. يعيد الفيلم تكرار ما سبق أن قيل، تاركاً الشخصية تتجوّل في مدينة بيروت الخالية، كأن السيناريو مكتف بجمالية الفراغ. ما يبدو مضحكاً شفوياً ينكمش بصرياً في معالجة تفتقر إلى المفارقة الحية، وتغرق في مفارقة ميتة، حيث لا تتفاعل النكتة مع الزمن أو الأحداث، بل تذبل تدريجاً. هذا التكرار يتسبّب في إرهاق سينمائي، إذ تصبح صورة النيزك سطحية لا تشكّل استعارة ذات وزن أو تحول سردي، بل مجرّد تذكير متكرّر بجملة أكثر طرافة من الفيلم نفسه. فينتهي الفيلم حيث بدأ: بفكرة لم تتطوّر، ونكتة خسرت قوتها.
الإسكتشات كصياغة لهوية سينمائية
يحتاج المشهد السينمائي اللبناني إلى سرد قصصي متعدد الأصوات. سرديات تعكس الفوضى والفكاهة والأسى والمقاومة المتأصلة في حياتنا اليومية. يطمح «مشقلب» إلى أن يكون تلك المرآة، لكنه يتصدع تحت وطأة ثقله. «مشقلب» جزء من المشهد السينمائي اللبناني المتعثر. هو ليس إنجازاً لكنه اقتراح، ربما بداية يمكن البناء عليها. نحن نفتقر للأفلام اللبنانية الكبيرة، بالمعنى الحرفي: تلك التي تُشرّح المجتمع، تُربك المشاهد، وتستمر في الذاكرة. الإسكتشات قد تكون واحدة من الطرق لتوظيف هذا الاضطراب، لنصنع من الفُتات سرداً حقيقياً.
* «مشقلب» في الصالات اللبنانية
