«كوبرا»: هذه بيروت تارانتينو!
يحاكي «كوبرا» أفلام الانتقام والأكشن عبر بطلة تسعى إلى الثأر وسط عالم عنيف، واضعاً بيروت كخلفية لأحداث دموية تفتقر إلى المنطق والعمق.


يحاكي «كوبرا» أفلام الانتقام والأكشن عبر بطلة تسعى إلى الثأر وسط عالم عنيف، واضعاً بيروت كخلفية لأحداث دموية تفتقر إلى المنطق والعمق. رغم محاولة استلهام Kill Bill، يعاني الفيلم من حبكة ضعيفة، شخصيات سطحية، وأحداث غير واقعية، ما يجعله أقرب إلى تقليد بلا مضمون. في النهاية، يترك الفيلم أسئلة معلّقة عن العنف، العدالة، والتصالح مع الذات
دائماً ما شكّلت أفلام الأكشن والانتقام أحد أكثر الأنواع السينمائية شعبية، لما تحمله من إثارة وتشويق، وقدرتها على منح الجمهور وهم العدالة حين تُستعاد الحقوق بالقوة. فشخصيات هذه الأفلام غالباً ما تكون ضحايا لظلم ما، يتحوّلون لاحقاً إلى أدوات انتقام لا تقهر، تُعيد التوازن إلى عالم مختل، حتى لو عبر العنف المفرط.
لكنّ هذا النوع، رغم زخمه البصري وحمولته العاطفية، يقف دوماً على حافة التبسيط: متى يتحوّل الانتقام إلى عدالة؟ ومتى يصبح تبريراً لعنف بلا معنى؟
في ظل هذا السياق، يأتي فيلم «كوبرا» (إخراج دانيال حبيب)، محاولاً محاكاة هذا النمط عبر بطلة تسعى إلى الانتقام وسط عالم عنيف وغامض. غير أن الفيلم لا يكتفي بتقليد النموذج العالمي، بل يضع مدينة مثل بيروت في قلب الحكاية، لتصبح الأسئلة أكثر تعقيداً: أي بيروت هذه؟ وأي عدالة تسعى إليها الكوبرا؟
حكاية منقوصة
يقدّم الفيلم حكاية انتقام تقودها شخصية معروفة بلقب «الكوبرا» (جوي حلّاق)، التي تلاحق عصابة «عائلة عتمة» سعياً للوصول إلى زعيمها. تبدأ الكوبرا مهمتها بمساعدة «الأرملة» (سيرينا الشامي)، فتبدأ برصد مخازن العصابة وتنتهي إلى مواجهة مع الابن الأصغر للعائلة. غير أن مسار الانتقام يزداد تعقيداً عندما يُكلف «الكلب» (سعيد سرحان) بملاحقة الكوبرا والقبض عليها، ولكنه، مدفوعاً بماضيه الشخصي ومشهد المجزرة التي أُبيدت فيها عائلة الكوبرا، ينقلب لاحقاً لمساعدتها. في النهاية، تكتشف الكوبرا أن كل ما جرى كان جزءاً من مخطط دبرته الأرملة، التي كانت زوجة زعيم العصابة المختفي، وأخفته عمداً لتنجب منه طفلاً وتحتفظ بثروته. مع هذا الاكتشاف، تنتقم الكوبرا وتقتل الأرملة، لتخرج في النهاية منتصرة برفقة الكلب، متصالحة مع طفولتها الجريحة التي تطاردها طوال الحكاية.
ورغم أن الحبكة تقوم على ثيمة الانتقام، إلا أنها تبدو منقوصة وغير منطقية في جوانب عدة. فالأسئلة الأساسية حول نشأة البطلة تبقى من دون إجابة: كيف لطفلة يتيمة نشأت في بيروت أن تتحول إلى مقاتلة خارقة قادرة على اختراق أخطر عصابات المخدرات؟ كيف نجت؟ وما الذي تفعله في حياتها؟ حتى علاقتها بالأرملة ظلت غامضة وغير مبررة تماماً. إلى جانب ذلك، تزخر الأحداث بتفاصيل غير منطقية؛ كعودة «الكلب» للحياة بعد إصابته برصاصة في وجهه، أو هروب الكوبرا من الحبس بطريقة غير واقعية عبر فك أنبوب ماء بيديها المقيّدتين. أما الغياب التام للسلطة أو الشرطة في هذا العالم، فيعزز الطابع الفجّ للحكاية، ويجعلها أقرب إلى قصة طفولية سطحية منها إلى فانتازيا أكشن ناضجة. ورغم محاولات تقليد أفلام تارانتينو من حيث مشاهد العنف والبنية الدرامية وبطولة الشخصية التي لا تُهزم، إلا أن الفيلم يفتقر إلى التماسك والدقة التي تميز هذا النوع من الأعمال.
يبدو التأثر الواضح للمخرج (دانيال حبيب) بفيلمKill Bill، سواء في بنية السرد أو في مشاهد العنف والبطلة الأنثى التي تشق طريقها في الانتقام من أفراد العصابة واحداً تلو الآخر. هذا التأثر يتجلى في مشهد الأنيميشن المفاجئ، الذي يمثل أكثر لحظات الفيلم دموية، ويكاد يكون اقتباساً مباشراً من الفيلم المرجعي. تنقسم بنية الحكاية إلى فصول معنونة بأسماء الشخصيات، ما يمنح كل فصل هوية سردية خاصة، ويُستخدم هذا البناء في تقديم الشخصيات وأهدافها وآليات الصراع في ما بينها. غير أن هذا الأسلوب، رغم وضوح نواياه في تتبع خط الانتقام الذي تسلكه «الكوبرا»، لم يؤدِّ إلى حبكة متماسكة أو تصعيد منطقي سواء في سياق واقعي أو حتى ضمن منطق الفانتازيا الذي يبرر ما يحدث في Kill Bill أو غيره من أفلام الأكشن. تتضح هنا مشكلات البنية: إلى جانب النقص في بناء الحكاية، تأتي الشخصيات الأحادية البعد، الموجودة فقط لخدمة الخط الدرامي المرسوم مسبقاً، لا لتغذيه أو تعقّده. وبدلاً من أن تكون الشخصيات فاعلة في تحريك الأحداث، بدت أقرب إلى أنماط جاهزة، تتحرك وفق قوالب مألوفة. هذه النمطية أثّرت في نوعية الأداء، التي امتلأت بكليشيهات أفلام الأكشن. فشخصية «ديب عتمة» (وسام صليبا) تظهر كمثال مبالغ فيه لشخصية الشرير السايكوباث، بضَحِكته الهستيرية وطريقة مضغ الحلم بشهوانية وطريقة كلامه المتكلفة، في حين يتجسّد «الكلب» في صورة القاتل البارد المحترف، الهادئ دائماً والمُتقَن للقتل بلا تردد. أما «الكوبرا»، فتتظاهر بالقوة والتماسك، ولكنها تنهار فقط أمام طفولتها المكسورة التي تطاردها.
يبدو التأثر واضحاً
بفيلم Kill Bill
ورغم أن «الكوبرا» و«الكلب» هما الشخصيتان الوحيدتان اللتان تمرّان بشكل من التحول الدرامي، فإن هذا التحول يظل سطحياً، ولا يرقى إلى إعادة تعريف جوهر الشخصية أو تعقيدها، لافتقار الخلفيات الدرامية للصراع إلى العمق والتماسك.
في النهاية، يمكن النظر إلى الفيلم عبر مجموعة من الأسئلة المفتوحة، أولها يتعلق بصورة المدينة: هل بيروت التي شاهدناها على الشاشة هي بيروت الحقيقية؟ هل هي فعلاً مدينة الجريمة والانتقام؟
صحيح أن لبيروت، كأي مدينة كبرى، بُنى عنفها الخاصة، ولكن العنف الذي يقدّمه الفيلم يبدو مجرداً من تعقيدات الواقع البيروتي، وتحديداً من انقساماته المناطقية والطائفية والاجتماعية. فالمدينة في الفيلم تتحول إلى مسرح عنف معزول عن سياقه، أقرب إلى فضاء مفترض، يُفقد بيروت هويتها المركّبة ويجعلها مجرد خلفية لأحداث دموية لا ترتبط بواقعها السياسي والاجتماعي.
السؤال الثاني يرتبط بالمقولة العامة للعمل: ما الذي يحاول الفيلم أن يقوله فعلاً؟ هل يكتفي بسرد حكاية انتقام ضمن قالب أكشن صرف، أم يسعى إلى تقديم طرح يتجاوز ذلك؟
صحيح أن «الكوبرا» وجدت الحب. وبعد انتقامها من العصابة، تمكنت من الوصول إلى لحظة تصالح مع ذاتها، وترك الطفل حياً ربما يمثل ومضة إنسانية في نهاية الحكاية، ولكن هل يمكن فعلاً أن يكون الانتقام الشامل طريقاً إلى التصالح مع الظلم؟ أم أنه، على العكس، يفتح داخل الذات هوّةً سوداء تعمّق الجراح بدل أن تشفيها؟
هذه الأسئلة تبقى معلّقة، وتشكّل مفاتيح حقيقية لإعادة قراءة الفيلم خارج منطقه السردي المباشر، وعبر مساءلة ما يطرحه عن العنف، والعدالة، التصالح.
* «كوبرا» في الصالات اللبنانية
