سامر حنّا بعد الـ «2 بالليل»: سمفونية الفودفيل والمهزلة!
يأتي الكاتب والمخرج سامر حنا بمسرحيته الموسيقية المميزة «2 بالليل» ليكسرَ التّوقعات في تجربة فنية تتجاوز حدود الكوميديا السطحية، وتمزج ببراعة بين عناصر مسرح الفودفيل والمهزلة (Farce).


يأتي الكاتب والمخرج سامر حنا بمسرحيته الموسيقية المميزة «2 بالليل» ليكسرَ التّوقعات في تجربة فنية تتجاوز حدود الكوميديا السطحية، وتمزج ببراعة بين عناصر مسرح الفودفيل والمهزلة (Farce).
يُظهر سامر في «2 بالليل» براعة في ضبط الإيقاع المسرحي. إنه قائد أوركسترا مسرحي حقيقي، يتحكم في سرعة الأحداث وتصاعدها. هذا الإتقان هو ما يميّز عمله عن كثيرين ممن يستسهلون هذا النوع من المسرح، مكتفين بتسوّل إعجاب الجمهور بضحكات سريعة ومحتوى سطحي.
قصة من الواقع المعزول إلى التفاعل الكوميدي
تدور الأحداث حول كاتب يعاني من الوحدة والنقص العاطفي. والدته معالجة نفسية، وجارته «ليزا» تزعجه بضجيج استقبالها المستمر للرجال. تتصاعد الأحداث عندما يشتكي الكاتب من ليزا للمالك، ما يؤدي إلى طردها. في مشهد مفاجئ، تقتحم ليزا بيته لتوبّخه وتلومه، لتتكشّف تدريجياً قصة غير متوقعة: الكاتب كان يخطط للانتحار، فتتحول ليزا إلى منقذة غير تقليدية.
تذكرنا هذه النقطة المحورية بما يحدث عندما تُجري مكالمة بشأن شخص ينوي الانتحار، فتُنصَحُ بإلهائه مؤقتاً حتى تصل المساعدة. هنا، تأخذ المسرحية منحى كوميدياً مميزاً، تقودنا إلى عمق واقعنا النفسي والاجتماعي. إنها تلهينا عن انتحاراتنا الوجودية اليومية في هذه المدينة الكئيبة، وتهدينا لحظة ضحك بقدر ما تنفصل عن المحيط، فهي في صلب الواقع المزدوج الذي نعيشه بين اللهو والجدية، بين الضحك والكآبة.
توظيف ذكي للفودفيل والمهزلة
يُظهر سامر حنا براعة في توظيف مدارس الفودفيل عبر سلسلة من الفصول، التي قد لا يرتبط بعضها ببعض بشكل مباشر، مع التركيز على الموسيقى والرقص والكوميديا. تستغل المهزلة عناصر الكوميديا الساخرة والعبثية للإضاءة على السلوك الإنساني بطريقة مبالغ فيها.
تتجلى عناصر الفودفيل في الأداءات المتنوعة، وحضور الموسيقى، وروح الكوميديا الخفيفة الظاهرية. أما المهزلة، فتظهر في المواقف الساخرة والمبالغ فيها التي تتكشف بين الكاتب وليزا، وتدفع بالكوميديا إلى أقصى حدودها. هذا المزيج المتقن يمنح المسرحية فرادةً، إذ لا تكتفي بالترفيه السطحي، بل تدفع الجمهور إلى التفكير في الدوافع الكامنة وراء الضحك.
سمفونية الأداء والموسيقى والسينوغرافيا
تتناغم العناصر المجتمعة على المسرح كـ«سمفونية» منوّتة بدراسة ماهرة. يقود المخرج الواعي هذا التناغم بين الضوء، الحركة، الأداء، السينوغرافيا، وتوظيف الموسيقى الحيّة في مكانها المناسب.
أسهمت السينوغرافيا في خدمة غرض المسرحية من دون مبالغات أو أكسسوارات زائدة. وشكّلت الإضاءة بحد ذاتها لغة بصرية تروي قصة وتعمّق التجربة الحسية للمشاهد. لقد وظف هاغوب ديرغوكاسيان الضوء ليصنع أجواءً متقلبة، تراوح بين فوضى الكوميديا الخفيفة وهدوء اللحظات العميقة، بما يعكس التحولات النفسية للشخصيات.
عِبر التدرجات اللونية والظلال الدقيقة، تمكنت الإضاءة من إبراز الانعزال الذي يعيشه الكاتب، ثم تحولت لتعكس الفوضى الكوميدية بوجود ليزا. كما أسهمت في تحديد المساحات، وإبراز التفاصيل الدقيقة، وتوجيه انتباه الجمهور نحو نقاط محورية في السرد. هذا الإتقان في استخدام الإضاءة يؤكد فهماً عميقاً لدورها كعنصر ديناميكي في إثراء السرد المسرحي.
أمّا الموسيقى الحيّة، التي يقدّمها أنطوني يوسف، ومارينا سرّاج، وميسا أبو شروش، فلا تأتي كخلفية بل كلغة إضافية، تعبّر وتواجه وترافق. كما تضيف الكوريغرافيا التي صمّمها روماريو عقيقي بعداً حركياً لطيفاً، يخدم اللحظة ولا يطغى عليها.
هذه التوليفة تؤكد إتقان سامر حنا للغته المسرحية، في وقت يستسهل فيه كثيرون هذا النوع المسرحي، مكتفين بالتمثيل الكاريكاتوري السطحي.
ورغم الذكاء في توظيف الموسيقى، فقد برز تحفظٌ على نمطيّتها أحياناً. فقرار إسقاط اللحن الواحد على كل الأغاني ضمن العرض أضعف، ولو قليلاً، الإيقاع، وأعطاه مسحةً رتيبةً تخفي قيمة الكلمة الهادفة. فكلمات الأغاني التي أعدتها جونا طوبيا بتوجيهات من سامر تحت مظلة Jukebox Musical تحمل في مواقع كثيرة رسائل عميقة، وإن جاءت مباشرة، وكان يمكن أن تبرز بشكل أكبر مع تنوع لحني أو تكثيف أقل.
حضور الممثلين: فرادة وتألق
تتميز المسرحية بحضور فريد ومتقن للممثلين، يكشف عن دراسة عميقة للشخصيات وتفعيل تصاعديتها وإيقاعها، فلا تملّ ولا تفلت منك أي لحظة درامية، كوميدية كانت أو تراجيدية.
تميّزت يارا بو أنطون، بمرونتها الجسدية التعبيرية وقدرتها على التنقل بين الكوميدي والتراجيدي. صمتها المفاجئ المتقن جعل وجهها أشبه بلحظة Screenshot موفقة من فيديو صاخب أو ساخر. صوتها الغنائي مهذب إلى حد مقبول، ولكنها تحتاج إلى تطويع صوتها المسرحي قليلاً ليواكب مطواعية الحركة والتعبير الجسدي لديها، إذ إن سيطرتها على جسدها أقوى بكثير من سيطرتها على إيقاعات صوتها الذي انزلق أحياناً إلى الصراخ المبالغ فيه، فبدا أشبه بكبوةِ حصان غير مروّض.
بالنسبة إلى جوليان شعيا، فإنّ مرونته متزنة خفيفة وقدرته على فهم الأبعاد السيكولوجية للشخصية صادقة ومقنعة. إنه موهبة حقيقية واعدة، تتحلّى بحسّ المثابرة والتقدم وعدم الاستسهال.
أما جوزيان بولس، فحضورها المسرحي الهادئ، الذي شكّل الصوت الـ Bass في هذه السمفونية الشعبيّة الصاخبة، لم يحتج إلى المبالغة في أي تعبير ليصل إلينا. إنها واثقة من امتلاكها الخشبة وحضورها الواسع عليها.
لقد نجح سامر حنا وفريقه في تقديم عمل فني يثبتُ أن التسلية الخفيفة لا تعني الاستسهال أو الركاكة. لقد احترموا ذكاء الجمهور الباحث عن المتعة السريعة، وقدموا مزيجاً فريداً من الضحك والتأمل، بعيداً من الابتذال والسطحية.
* «2 بالليل»: حتى يوم غد ـــ مسرح «المونو » (الأشرفية – بيروت) ــ للاستعلام: 01/202422
