
في سباق الزمن، لم يعد التغيّر المناخي وحده هو الذي يضغط على مستقبل البشرية، حتى دوران الأرض نفسه بدأ يخرج عن الإيقاع المألوف.
ففي السنوات الأخيرة، سجّل الكوكب سلسلة من أقصر الأيام منذ بدء القياسات الدقيقة، ما يفتح الباب أمام احتمال غير مسبوق بحذف ثانية كاملة من التوقيت العالمي بحلول عام 2029. قد يبدو الأمر مسألة تقنية بحتة، ولكن خلفه تتشابك أسباب علمية عميقة مع بصمة بشرية لا يمكن إنكارها.
رحلة سريعة من قلب التاريخ الجيولوجي للأرض، مروراً بالأسباب الفيزيائية التي تتحكّم في سرعتها، تكشف عن دور للطبيعة في تعديل مدّة الأيام.
إلا أنّ إنسان ما بعد الثورة الصناعية أصبح في صلب معادلة التأثير على توازنات الكوكب الحسّاسة، ما يطرح السؤال الأكبر: كيف يمكن لخيارات سياسية واقتصادية، تقودها مصالح اليمين العالمي والدوائر الصناعية الكبرى، أن تترك أثراً على الكوكب يتجاوز المناخ إلى «الزمن» ذاته؟
لم تكن مدّة اليوم ثابتة على كوكب الأرض عبر العصور، فوفق دراسة نُشرت عام 2023 على موقع «سبايس» البحثي، كان اليوم في حقب مبكرة من تاريخ الأرض لا يتجاوز 19 ساعة، نتيجة توازن معقّد بين المدّ الجوي الناتج من الشمس والمدّ المحيطي الناجم عن القمر.
ومع مرور ملايين السنين، أبطأ «الاحتكاك المدّي» للقمر دوران الأرض تدريجياً، في حين كان القمر يبتعد عنها، ما أطال اليوم إلى 24 ساعة تقريباً كما نعرفه الآن.
غير أنّ السجلات الحديثة، منذ بدء الاعتماد على الساعات الذرّية عام 1973، تكشف عن مفارقة لافتة: بينما ظلّ الاتجاه العام يشير إلى تباطؤ الدوران، سجّلت السنوات الأخيرة قفزات غير متوقّعة في سرعة دوران الكوكب. وهو ما يتجلّى في تسجيل الأرض دورانها في 5 تموز (يوليو) 2024 أسرع بـ1.66 ميلي ثانية من المعدّل المعتاد، وهو أقصر يوم في تاريخ القياسات الحديثة، وفق منصّة The Press Pad.
بالإضافة إلى ذلك، سُجّل 10 تموز (يوليو) المنصرم يوماً أقصر بـ1.36 ميلي ثانية، تلاه 22 من الشهر ذاته بفارق 1.34 ميلي ثانية، ليكون ثاني أقصر أيام العام.
هذا التغيّر الطفيف، غير المحسوس للبشر، يكتسب أهميّته على توازنات الأرض وعلومها، كما إنّه يفرض تعديلاً محتملاً في أنظمة التوقيت العالمية، للمرة الأولى في التاريخ، عبر طرح «ثانية سالبة» بحلول عام 2029، أي حذف ثانية من الزمن الذرّي لمواءمته مع الزمن الفلكي.
لماذا تتسارع الأرض اليوم؟
أسباب تغيّر سرعة دوران الأرض معقّدة ومتعدّدة المستويات، فالعوامل الطبيعية القصيرة الأمد تشمل وضع القمر بالنسبة إلى خط الاستواء الأرضي، حيث يمكن لابتعاده أو اقترابه النسبي أن يغيّر قليلاً في سرعة الدوران.
على سبيل المثال، كان القمر في 9 تموز (يوليو) 2025 عند أقصى انحراف له عن خط الاستواء، ما سبّب شدّاً غير متماثل لجاذبيته غيّر من تذبذب محور الأرض وأسرع دورانها، وفق BBC Sky at Night Magazine.
من جانب آخر، تتدخّل التغيّرات الموسمية في الغلاف الجوي والمحيطات التي تعيد توزيع الكتل والسرعات الزاوية، فتؤثّر على زمن اليوم.
لكنّ أبرز التفسيرات العلمية تذهب إلى أعماق الأرض، إذ تشير أبحاث إلى أنّ تباطؤ دوران اللبّ الخارجي السائل قد يغيّر من توازن الزخم الزاوي بين اللبّ والوشاح والقشرة، ما يدفع الأخيرة إلى الدوران أسرع قليلًا، وفق دراسة نُشرت على موقع «سبايس» في عام 2024.
إلى جانب هذه العوامل، برزت فرضيات عن دور التغيّر المناخي من صنع البشر، مثل ذوبان القمم الجليدية وارتفاع مستويات البحار، في إعادة توزيع الكتل المائية على سطح الكوكب.
بعض الدراسات يرى أنّ هذا قد يكون عاملاً مكمّلاً يخفّف أو يعزّز التسارع الطفيف، وإن لم يكن السبب الرئيسي. ورغم تراكم المعطيات، يقرّ العلماء بأنّ السبب الجذري لهذه الظاهرة لا يزال لغزاً يستعصي على النماذج العلمية الحالية.
عندما يصبح الزمن رهينة السياسة
الجانب المثير للقلق لا يكمن فقط في أنّ الأرض تغيّر إيقاع دورانها، بل في أنّ هذا التغيّر يرتبط بشكل غير مباشر بعجز المجتمعات عن كبح جماح التغيّر المناخي.
خلص تقرير حديث نشره «المعهد الدولي لتحليل النظم التطبيقية» (IIASA) إلى أنّ أغنى 10% من سكان العالم مسؤولون عن ثلثي ظاهرة الاحتباس الحراري منذ 1990.
هذه النخبة تستهلك وتستثمر في قطاعات عالية الانبعاثات، مسبّبة موجات حرّ وجفاف متطرّفة، خصوصاً في مناطق فقيرة لم تسهم إلا قليلاً في الانبعاثات العالمية ولا تملك من الموارد ما يمكّنها من مواجهة تداعيات التغيّر المناخي.
السياسات المناخية، التي كان يمكن أن تحدّ من هذه الكارثة، وُئدت مراراً على يد تيارات سياسية يمينية متحالفة مع مصالح صناعات الوقود الأحفوري.
الولايات المتحدة مثال ساطع على ذلك، ففي ولاية دونالد ترامب الأولى، انسحبت واشنطن من «اتفاق باريس للمناخ» الموقّع عام 2015، الذي كان الوقفة الدولية الجديّة الأولى التي حدّدت مساراً مغايراً لكبح جماح الاحترار العالمي المتسارع. كما خفّضت إدارة ترامب القيود البيئية، وضاعفت الدعم للفحم والنفط والغاز.
وبدل من أن تسلك الأرض مسلكاً نحو تعديل سياسات الانبعاثات واحتواء الأزمة، ذهبت ــ بفضل ترامب ـــ إلى مسار مختلف كليّاً أوصل بعد عشر سنوات الوضع إلى مستوى خطير من الأزمة، مع تسجيل العامين الأخيرين أعلى درجات حرارة في التاريخ.
ومع عودته إلى السلطة وإقرار ميزانية جديدة تقلّص تمويل مشاريع الطاقة النظيفة اليوم، يُعاد تركيز الجهد الرسمي على اقتصاد النفط، كأنّ العقود الماضية من التحذيرات العلمية لم تكن، وهو ما لا يُعدّ مفاجئاً لرجل أقرّ يوماً جهاراً بأنّه يرى مشكلة التغيّر المناخي «خدعةً» تُستخدم ضدّ بلاده.
هذا النهج ليس مجرّد سياسة داخلية، بل حلقة في سلسلة الإهمال العالمي الذي يضاعف آثار التغيّر المناخي، وربما يسهم، بشكل تراكمي وغير مباشر، في تغيّرات كوكبية تصل إلى دوران الأرض نفسه.
إنّ إخفاق القوى الكبرى، وخصوصاً تحت قيادة اليمين الشعبوي، لا يحرم العالم من هواء أنظف ومستقبل أكثر استقراراً فحسب، بل يسلبه أيضاً ما اعتبرناه يوماً مسلّمات كونية، مثل ثبات إيقاع الزمن.

