
تستقبل بيروت واحدة من أبرز التجارب الموسيقية العربية المعاصرة، إذ يلتقي جمهور المدينة بالفنان الفلسطيني الشاب في حفلة تقام الليلة في «بيروت هول»، بعد غياب امتد لعامين عن المسارح اللبنانية. عودة تشكّل محطة بارزة ينتظرها محبّو الموسيقى البديلة والعربية الحديثة، إذ تستحضر علاقة تجمع بين الفنان القادم من حيفا والمدينة التي ألهمته موسيقياً وإنسانياً
في حديثه معنا، لا يخفي فرج سليمان (1984) شغفه الخاص ببيروت، المدينة التي يعتبرها جزءاً أساسياً من تكوينه كفنان وملحن. بعد انقطاع فرضته الظروف الصعبة والحروب، يصف سليمان عودته إلى لبنان بأنها لحظة بالغة الأهمية في مسيرته، و«افتتاح حقيقي» لجولته الجديدة. يوضح: «في بيروت جمهور كبير يحبني وأحبه... حفلات بيروت لها خصوصية لا تشبه سواها».
خلال العامين الماضيين، ابتعد سليمان عن الحفلات الضخمة بسبب ما شهدته المنطقة من حروب وويلات، خصوصاً أنّ التحضير لأي حفلة في المنطقة، كما يقول، يتطلب مجازفة بسبب هشاشة الأوضاع وسرعة تغيّرها. مع ذلك، بقي لبنان حاضراً في ذاكرته الفنية، وشكّل له دوماً نقطة ضوء وسط العتمة، خصوصاً أن بداياته الموسيقية ارتبطت بثنائية مصر ولبنان، من حيث الدراسة والتأثر بالأقطاب الموسيقية العربية الكبرى.
برنامج الحفلة: بين «مريم» وتجارب شخصية جديدة
يعد فرج سليمان جمهوره في بيروت بحفلة ذات نكهة خاصة ومغايرة عمّا يقدمه في جولاته في العواصم الأخرى. يجمع البرنامج مختارات من ألبوماته: «مريم»، و«أحلى من برلين»، و«جبنا للولد بيانو»، إلى جانب أغانٍ لن تُقدَّم خلال جولته، خصّصها لجمهور لبنان.
أغنية «إنت كيف؟» تردّ بصياغة معاصرة على «كيفك إنتَ؟»
سيقدّم فرج سليمان مجموعة من أغاني ألبومه الأخير «مريم»، الذي وُلد من قلب العتمة، إذ كُتب نصفه الأول قبل الحرب على غزة، بينما جاء نصفه الثاني تحت وقع المجازر والفقد.
الأغنيات التي كتبها المسرحي عامر حليحل ولحّنها سليمان، تروي حكاية فقدان مزدوجة: انفصال بين حبيبين، ثم موت مريم، وسط عالم يتشظى تحت ركام الحروب. من بين عناوين الأغاني: «حب معلّب»، و«جبلي معك»، و«مع السلامة يا حب»، و«متل الحلم رحتي»، بمشاركة صوتية لافتة للراقصة والمعمارية الفلسطينية ديمة زهران في أغنيتين.
خيار سليمان للبيانو كآلة مركزية ينعكس بقوة في الألبوم، عبر مزج فريد بين الطابعين الغربي والشرقي، حيث تظهر تأثيرات الجاز، والروك، والموسيقى الكلاسيكية، وتنساب الأنغام بسلاسة بين هواجس الهجرة والحنين، وحكايات الحياة اليومية. ستشهد الحفلة أيضاً استعادة أغانٍ أحبها الجمهور من ألبومات سابقة.
زياد الرحباني... البوصلة والإلهام
يشكّل الموسيقي الكبير الراحل زياد الرحباني حجر الأساس في تكوين تجربة سليمان الموسيقية. منذ سنواته الأولى مع البيانو، كان الشاب الفلسطيني ينقب في تجارب أبرز العازفين، ولكنه وجد في زياد حالة خاصة: «في الموسيقى العربية، الإنسان الوحيد الذي تعامل بشكل جدي مع البيانو هو زياد الرحباني.
وهذا أضاء أفكاراً كثيرة في رأسي». فتح زياد أمامه أفقاً جديداً لفهم البيانو العربي، وجعله يدرك أنّ العازف في منطقتنا يمكنه أن يبتكر موسيقى تعبّر عن محيطه وهويته، من دون الحاجة إلى تقليد الجاز الأميركي أو الكلاسيك الأوروبي، ويوضع لنا: «زياد أنتج من البيانو موسيقى تشبهنا وتشبهه».
تجربة زياد المتنوعة بين المسرح، والتوزيع، والتلحين والأغنية، دفعت سليمان إلى استكشاف مسارات موسيقية جديدة، وتحفيزه على بناء مشروعه الخاص: بيانو يتكلم العربية، يختبر الجمل الشعبية، ويتجاوز الحدود بين الأنماط الموسيقية. يصف لنا نصوص زياد بـ«البساطة الجاذبة والعمق في الوقت نفسه»، ويعتبر هذا الأسلوب مثالاً لما يجب أن تكون عليه الأغنية: كلمات تحاكي يوميات الناس، ولكنها تظل حيّة وقادرة على العيش طويلاً.
ولمن يستمع اليوم إلى موسيقى فرج سليمان، يلوح طيف زياد في الألحان والجمل الموسيقية وحتى في النصوص. أحياناً يبدو كأن بعض الأغاني تأتي كحوار فني مع أغنيات فيروز التي لحنها زياد، كما في أغنية «إنت كيف؟» التي ترد بصياغة معاصرة على «كيفك إنتَ؟»، أو في غيرها من الأغاني والمقاطع.
تعرّف فرج إلى عالم زياد خلال الدراسة الجامعية في حيفا، في زمن كانت فيه أغنيات زياد جزءاً من يوميات النشاط السياسي والحيوي، وأداةً لقراءة الواقع من حوله. «كان فنه يرافقنا في كل نشاط»، يقول سليمان، «ويستطيع أن يشرح الجو السياسي في أغنيتين فقط». هكذا تشكّل وعي جيل كامل على وقع موسيقى زياد ونصوصه.
أما الحفلة المرتقبة الليلة، فتأتي لتجدّد هذا الوصل بين التأثيرات، وتكشف طبقات جديدة من موسيقى عربية تتطلع إلى المستقبل من دون أن تتخلى عن جذورها.
ومن يدري، ربما سيفاجئنا الفنان الفلسطيني بعزف مقطوعات موسيقية من تلحين زياد. وسط عالم تطغى عليه مشاعر الفقد والقلق، تفتح موسيقى فرج سليمان نوافذ مشرّعة على الأمل، وهكذا تكون بيروت بيتاً دافئاً للفنانين الذين يحملون هواجسهم وتطلعاتهم على أصابع البيانو.




