الشاعر المشاكس والموسيقي الموهوب


ضرورة المسرح الغنائي
يصحّ القول، من دون تحفظ، إن المسرح الغنائي هو أقل الأنواع المسرحية تقديماً على خشبات المسارح العربية. والسبب ثقافي مثلما هو إنتاجي.
والمسرح الغنائي في حواضر العالم لا يكاد يخلو موسم منه. إنه تقليد ثابت في البرامج المسرحية السنوية. يشارك فيه كبار صناع المسرح، وتنتشر أغنياته وموسيقاه بعد العرض لتكون فناً خالصاً آخر له عشاقه ومتابعيه. ويتشارك المسرح الغنائي مع المسرح الأوبرالي في خصال عدة، مع أن المسرحين يقدمان أنماطاً فنية مختلفة.
تبدأ المشكلة عربياً من المرجعيات الثقافية للمسرح، إذ إنه يقدم على شكلين أساسيين: الترفيه، وهو ما تمثله المسرحيات الكوميدية على اختلاف مسمياتها… والمسرح الجاد على اختلاف مسمياته أيضاً. ورغم أن الترفيه هو هدف بحد ذاته للفنون عامة، إلا أنه في عالمنا العربي حشر في زاوية الإضحاك فقط. وبقي المسرح الجاد، وهذا اصطلاح فضفاض، مهتماً بالتجريب والبحث عن حلول بصرية جديدة، ناهيك بقوة الأفكار فيه. الموسيقى في الحالتين كانت تكميلاً للمبنى، وليست العنصر الأساسي فيه.
والموسيقى عندنا تخضع لمشكلات ثقافية عدة. ورغم أنّ الجمهور، بالمجمل، يستمع إلى الموسيقى، إلا أنها، أي الموسيقى بحدّ ذاتها، ظلت تتأرجح بين التحريم، والتمويل والتسويق. هكذا يجد المنتج الفني نفسه في ورطة حقيقية إذا ما تصدى لهذا النوع من الأعمال. بالطبع لا يمكن مقارنة ذلك مطلقاً بعواصم مثل باريس أو لندن، ولا مع مسارح نيويورك أو موسكو. الموسيقى هناك، والمسرح، عنصران لا يفترقان.
بعد هذا كله، إن المسرح الغنائي كان يطلّ، عربياً، في أوقات متفاوتة وبشكل خجول أحياناً. ولكن تجربة الأخوين رحباني، وتجربة زياد رحباني الخاصة، ظلّتا دوماً نقطة إشعاع حضاري في هذا المجال.
ذكرى شخصية
يطيب لي هنا أن استذكر واحداً من أعظم نتاجات الأخوين الرحباني في المسرحية الغنائية، هي مسرحية «ميس الريم». قدّمت المسرحية في منتصف السبعينيات في بيروت. وكان من عادة الأخوين الرحباني تسجيل مسرحياتهما، بعد عرضها على الخشبة، في استوديو تلفزيوني. وهكذا وصلت هذه التحفة الفنية إلى الأجيال اللاحقة، وأنا منها.
في صيف بغدادي لاهب، وكنت حينها أعدّ برنامجاً للتلفزيون العراقي عن المسرح، فتشت في المكتبة الصورية للتلفزيون عن مسرحية يمكن عرضها كسهرة تلفزيونية. كان الأمر مستحيلاً، والسبب في ندرة ما تضمه هذه المكتبة من مسرحيات من جهة، ومن جهة ثانية صلاحية ما يتوافر منها للعرض التلفزيوني، صلاحية فنية بالدرجة الأساس.
وبعد بحث استمر لساعات، عثرت على نسخة من مسرحية «ميس الريم» على شريط قيم ينبغي تحويله ليناسب العرض التلفزيوني، وهو أمر لم يكن صعباً، بل كان متعارفاً عليه حينها.
شاهدت العرض كاملاً. سجّلت ملاحظاتي، وكان علي أن اختصر الكثير من أجل أن يكون العرض لساعة تلفزيونية واحدة أو ساعتين على سهرتين في أسبوعين.
تدور أحداث هذه المسرحية حول حكاية بسيطة بين عاشقين أجبرا على الفراق بسبب عداء قديم ومستمر بين عائلتيهما، وتجري الأحداث خلال سفر زيون، لعبتها الفنانة القديرة فيروز، إلى ضيعة كحلون لحضور زفاف بنت خالتها.
وحتى يكتمل سيناريو العرض، اتصلت بالأستاذ الفنان الكبير الراحل يوسف العاني ليكون ضيف البرنامج، والذي قدمه على ما أذكر الصديق الدكتور وليد شامل، ليتحدث عن المسرح الغنائي ومسرح الرحابنة بشكل خاص. وقد سعد أستاذنا العاني بالدعوة، خاصة أنّه كان قريباً من الرحابنة ومسرحهم في ستينيات القرن الماضي. وبالفعل تم تسجيل المحاورة، وبثت مع المسرحية من تلفزيون بغداد على جزأين. وحقق البرنامج نجاحاً عند محبي المسرح الغنائي ومسرح الرحابنة على وجه الخصوص.
ماذا فعل زياد؟
في عرض مسرحية «ميس الريم»، يدخل زياد الرحباني ملحناً لقطعتين وممثلاً في دور بسيط. عبقرية زياد تجلّت في لحن المقدمة الموسيقية للعمل. وهي المقدمة التي ظل زياد يقدمها في حفلاته منذ تاريخ عرض المسرحية وحتى وفاته.
سبق ذلك قيام زياد، الشاعر المشاكس، والموسيقي الموهوب حينها بمفاجأة والده عاصي الرحباني، بل الجمهور عامة، بلحن استثنائي لأغنية «سألوني الناس». ويمكن القول إنّ هذه الأغنية مثلت المفتاح الحقيقي للتعاون الفني الوثيق بين السيدة فيروز وزياد.
هكذا تمت إحالة المقدمة الموسيقية للمسرحية إلى زياد، كأنّها إعلان مباشر وصريح عن الموهبة التي ستشغل الفضاء الفني، خصوصاً في المسرح الغنائي والموسيقى. نجح زياد في مهمته، وحققت موسيقاه نجاحاً لا يقل أبداً عن نجاح أغنيات المسرحية التسع (واحد من ألحان زياد وهو «حبّوا بعضن») وغناء السيدة فيروز، باستثناء أغنية واحدة هي «يا مارق عالطواحين» التي أداها الفنان نصري شمس الدين.
استثمر زياد معارفه بجنون الجاز في المقدمة الموسيقية للمسرحية ومعرفته العميقة بالتراث اللبناني في أغنية «حبوا بعضن». والحال أنّه استطاع تقديم موهبته عبر عمل كبير مع مجموعة كبيرة من النجوم. وإذ افترق زياد عن فريق الرحابنة لاحقاً، فإنه ظل وفياً لما تعلمه، وزاد عليه الكثير، خصوصاً النقد اللاذع والنكتة القاسية الجارحة، تلك التي تعبّر عن واقع حال بلمسة يأس محببة.
بعيداً من العائلة، قدّم زياد مسرحيات عدة واصل عبرها توجيه النقد السياسي والاجتماعي بلغة غاضبة وقريبة جداً من لغة الناس. بل إنه كرّر في لقاءاته التلفزيونية أن نقد الناس في الواقع أقسى وأشد مما يكتبه هو. وبالطبع ذلك يقود إلى أسلوبه الخاص الذي عرف به في المزج بين الموسيقى والمسرح والكوميديا السوداء من دون أن يتخلى عن الشرط الجمالي.
واللافت، ختاماً، هو وضوح النبرة الدرامية في مجمل أعمال زياد الموسيقية. ولو أخذت أغنية «البوسطة» مثلاً، ستجد أركان المسرح، أو بالأحرى العرض المسرحي، متوافرة بشكل واضح. شخصيات وزمان ومكان وحدث وعقد وتصاعد درامي... وكان من الذكاء أن تقدم السيدة فيروز الأغنية في حفلة على المسرح مع فرقة تمثيلية راقصة، لا يستطيع من شاهدها أن يسقطها من ذاكرته.
* كاتب عراقي
