الأخوان ملص: ضاعت ثورة الـ2011!
«نأمل أن يُهدينا القدر سوريا بلا دم، وألا تتكرّر الهجرة لسنوات طويلة مرة أخرى». بهذه الروحية عاد الأخوان ملص إلى سوريا بعد هجرة طالت سنوات على إثر انضمامهما إلى صفوف المتظاهرين ضد النظام السوري السابق منذ عام 2011.


«نأمل أن يُهدينا القدر سوريا بلا دم، وألا تتكرّر الهجرة لسنوات طويلة مرة أخرى». بهذه الروحية عاد الأخوان ملص إلى سوريا بعد هجرة طالت سنوات على إثر انضمامهما إلى صفوف المتظاهرين ضد النظام السوري السابق منذ عام 2011.
شكّل المسرحيان السوريان اللذان أبدعا في تجسيد «مسرح الغرفة»، بصمةً في المحترف المسرحي السوري، في وقتٍ كان فيه المسرح التقليدي يعوم على الخشبات.
مع ذلك، تُبعد الهجرة الأخوين ملص عن رفاقهما «الثوار» في سوريا، فالموقف لم يتبدل، بل واصلا دعم كل الرؤى التي خرجت أولى تظاهرات دمشق من أجلها، وهي السعي إلى كسر القيود على حرية الرأي والإبداع بلا رقابة. كانا يحلمان بسقوط نظام «مستبدّ» تتنفس من بعده سوريا الصعداء، وتنتقل إلى مرحلة جديدة من إعادة البناء والتطوير، وصولاً إلى «الحرية المنشودة».
وحالما تحقّق حلمهما و«سقط الأسد»، عاد الأخوان ملص إلى سوريا، مستبشرين بالعهد الجديد الذي كانا يتوقعان أن يتماشى مع طموحات «الثوار»، لكونه ينسب نفسه إلى بيئتهم. لكنّ الخيبة كانت أسرع من التماسهما «التغيير».
ولأنّ الفنان الذي ينفصل عن كونه إنساناً، تسقط عنه صفة الفن، كان الأخوان ملص أهلاً لإدراجهما في خانة «المثقف السوري الواعي»، إذ سارعا إلى إدانة المجازر التي لم تخفت حدتها منذ سقوط النظام السوري السابق، واستلام الحكومة الانتقالية الجديدة زمام الأمور، وكانا أول الناعين لضحايا مجازر الساحل السوري، ورافقا أهل السويداء يوماً بيوم في محنتهم ضد الإرهاب والحصار.
كل تلك المواقف عبّرا عنها في قالب تحتاجه سوريا بشدة، ألا وهو قالب «نبذ الطائفية» والتطهير العرقي والطائفي والمذهبي، فكانا أول من نادى بشعار «دم السوري على السوري حرام».
وعبر منشوراتهما، حرصا على إيصال رسالة إلى جمهورهما المتنوع ثقافياً وطائفياً مفادها أنّ «التعميم لغة الحمقى»، فهما اللذان أسقطا تهمة «الخائن» عن «الدرزي»، وتهمة «الشبيح» عن «العلوي»، وتهمة «القاتل» عن عناصر الأمن العام، لعلهما بذلك يغيران شيئاً من الواقع القاتم الذي يعيشه السوريون اليوم تحت مقصلة التصنيفات.
وبعد الإفصاح عن صدق النوايا تجاه «سوريا المستقبل» التي يطمحان بلوغها مع الشباب السوري الواعي، كثرت منشوراتهما التضامنية مع المظلومين على كامل الجغرافيا السورية عبر حساباتهما على مواقع التواصل الاجتماعي. والنتيجة أنّ مسرحيتهما «كل عار وأنتم بخير»، التي تمثّل السوري المتعب، قوبلت بعثرة إلغاء العروض بعد سلسلة ناجحة قاما بتأديتها على خشبة «مسرح القباني» في دمشق.
وبعد العاصمة السورية، لاحت الصعوبات أمام الأخوين، فلم تكن عروضهما في حلب «ميسّرة»، وتمت تأدية جلّها في مقهى خاص ضمن المحافظة. أما في طرطوس، فما لبثا أن أعلنا عن وقف العروض على المسرح الرسمي في المحافظة، ليعلنا بعد ذلك لجمهورهما أنهما سيحضران إلى المحافظة الساحلية، ولكنّ العرض سيكون أيضاً في مقهى خاص ضمن المدينة، وعلى مسؤوليتهما الشخصية، وفق ردٍ لهما على أحد المتابعين.
وربط الجمهور بين مواقفهما من المجازر المرتكبة في سوريا، وإلغاء العروض وتعثّر بعضها، ولكنّ الأخوين عبّرا عن سخطهما لقرار الإلغاء فقط، وأرجعاه إلى «أسباب غير معروفة». مع علو أصوات البنادق على أصوات تصفيق الجماهير في المسرح، وطغيان العتمة على أضواء الخشبات، خرج الأخوان ملص عن صمتهما في رسالة إلى الحكومة السورية الجديدة، باسم «الثوار» الحقيقيين المذهولين من هول الدم المسفوك، والفوضى العارمة.
وعبر حسابهما على إنستغرام، قال الأخوان ملص: «نحن أبناء الثورة، ومن الشام الآن، نقول لكم إنّ استمرار الانتهاكات والقتل والمجازر سيفجر ثورةً جديدة تعيدكم إلى مشاهد الشارع السوري في عام 2011».
وتحدثا بلسان كل سوري يمتلك من الكرامة ما يكفي ليرفض كل هذه الهمجية، قائلين: «ما منرضى بالظلم... وما منبرر القتل، هيك علمتنا ثورتنا يلي رح نضل مخلصين إلها رغم أنف الكل».
لم ينته كل شيء هنا، بل أعقب هذا المنشور اتصال بالأخوين من قبل «موظف» في وزارة الثقافة السورية يبلغهم فيه عن إيقاف عروضهم وورشاتهم المسرحية على خلفية المنشور الأخير الموجه إلى الحكومة، قائلاً إنّه «ازعج الوزير نفسه الذي أمر بوقف نشاط الأخوين المسرحي».
وبعد إعلان الأخوين عن القرار الذي اتخذته الوزارة وأبلغا به عبر «اتصال هاتفي»، أعرب جمهورهما عن استيائهم من الحالة السائدة في البلاد، التي لازال فيها «المنتقد» يعاني تبعات رأيه الصريح في الحكومة والنظام. لتسارع وزارة الثقافة بعد انتشار الخبر على نطاق واسع إلى نفيه نفياً قاطعاً، معلنةً أنّ ما جرى «سوء فهم» من قبل أحد العاملين في ملاكها، وليس قراراً رسمياً.
كما أوضحت الوزارة أنه تم التواصل مع الأخوين ملص وإبلاغهما بسوء الفهم الذي حصل وبإمكانية تقديم عروضهما كما هو متفق عليه سابقاً.
الأخوان اللذان ترك رحيلهما عن سوريا خلال السنوات الماضية فجوةً في المسرح السوري، شكّلا خسارة فنية، ومثلهما كثيرون تسبّب رأيهم المناهض للنظام السابق في إبعادهم قسراً عن الساحة الفنية السورية، فبتنا نراهم على الشاشات المصرية والخليجية في وقتٍ كانت وما تزال فيه سوريا بأمسّ الحاجة إليهم، فلا ينهضُ بالبلاد من جحيم الجهل إلا مثقفوها، فهل سيحزم هؤلاء الأمتعة مجدداً تاركين منابرهم لغير أهلها؟
