ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

زينة دكّاش من السجون اللبنانية إلى سجن الذات... مسرحُ الشّفاء

ثقافة
|مسرح
حفظ المقالة

تُعدّ زينة دكاش شخصيةً فريدةً في المشهد المسرحي اللبناني، فمسيرتها لا تُشبه أحداً في عمقها وجُرأتها وإنسانيتها.

أدهم الدمشقي
أدهم الدمشقي
الخميس 14 آب 2025
من مسرحية «اللي شبكنا يخلّصنا»
من مسرحية «اللي شبكنا يخلّصنا»
الخط

تُعدّ زينة دكاش شخصيةً فريدةً في المشهد المسرحي اللبناني، فمسيرتها لا تُشبه أحداً في عمقها وجُرأتها وإنسانيتها.

لم تنطلق دكاش من فكرةٍ سائدة (ترند)، بل اتجهت نحو أكثر الأماكن تهميشاً: السجون اللبنانية. كانت من أوائل من طبقوا العلاج بالدراما (Drama Therapy) في السجون، وهو مسار نادر عربياً وعالمياً، متجاوزةً بذلك تابوهات اجتماعية وثقافية راسخة. لم تقتصر تجربتها الميدانية على تقديم أعمال مسرحية وسينمائية وحسب، بل أسفرت عن تغييرات قانونية ملموسة بحق المساجين. كانت دكاش تفتح لهم بوابةً ليسردوا قصصهم بآلامهم، ما جعل أعمالها نتاج نضال وتجربة شخصية عميقة، حوّلتها من ممثلة في برامج ساخرة إلى مخرجة ومناضلة حقوقية واجتماعية.

من سجن الجدران إلى سجن الذات

دخلت زينة السجون طوعاً، وكأنها تقفل على نفسها الباب مع من يقبعون خلف القضبان، ثم تعود إلى حياتها اليومية. كانت تلك التجربة غوصًا في الألم الإنساني بلا أقنعة. إلا أنها وجدت نفسها فجأةً في استراحة قسرية فرضتها الظروف الاقتصادية وجائحة كورونا. تصف دكاش في مسرحيتها «اللي شبكنا يخلّصنا» التي عرضت أخيراً في «بيت الفنان» في حمانا هذه المفارقة المؤلمة: «بالحبس كنت آكل يلي عم ياكلوا من الشباب، هلق صار بدي فكر بـ Menu يومي لعيلتي... » وكأنها انتقلت من سجن الجدران إلى سجن الأدوار الاجتماعية الأكثر قسوةً: البيت، الأمومة، الزوج، والغربة عن الذات. هذا الانفصال دفعها لمواجهة ذاتها من جديد، كإنسانة مثقلة بذاكرة من الداخل.

انعكاس الأدوار وجدلية السجن

تُظهر المسرحية علاقةً ملفتةً بين زينة والممثل يوسف شنكر، السجين السابق الذي عالجته داخل سجن رومية. على الخشبة، تنعكس الأدوار بشكل فلسفي عميق، فيتحول يوسف، الذي كان يتلقى العلاج، إلى من يقدّمه لها بكلماته وذاكرتهما المشتركة. وهنا، يطرح العمل سؤالًا وجوديًا: أي السجون أقسى؟ ذاك الذي له جدران وقضبان، أم ذاك الذي نحمله في جسدنا وذاكرتنا؟ فكلاهما وجد المعنى داخل السجن بعد أن فقده في الخارج. وتأتي المسرحية لتؤكد أن «أقسى السجون وأمرّها... تلك التي لا جدران لها».

المسرحية ليست بناءً دراميًا تقليدياً، بل تشبه إلى حد كبير ورشة علاجية على الخشبة، تستخدم دكّاش تقنيات العلاج بالدراما من خلال لعب الأدوار، والارتجال، ورواية القصص، لتبني مشهديات مترابطة تنطلق من الذات الخاصة لتشتبك مع الذات الجماعية. وهذا ما يكرّس دور الفن في مهمته العلاجية السامية، حين يقود من الشفاء الفردي إلى الشفاء الجماعي. فالمسرحية ليست عن السجون، بل عن السجن الذي لا نراه، وعن الإنسان الذي يحاول التصالح مع هشاشته.

الفن كأداة للشفاء والمصالحة

في بناء المسرحية، تستخدم دكاش تقنيات العلاج بالدراما لتقديم عمل هجين يمزج بين التوثيق والبوح والأداء. حيث تفتح ذاكرتها على ثلاث مراحل حياتية: الطفولة، المراهقة، والنضوج، لتقارن بين نضالها الجماعي داخل السجن وصراعها الداخلي خارجه. ولتخفيف ثقل البوح، أضافت دكاش جرعة من الكوميديا الذكية من خلال الممثل سام غزال، الذي لم يكن مجرد إضافة ساخرة، بل نقطة تنفّس مدروسة، دخل من موقع الصدق والبساطة، فتبنّى تهمة رمزية - سرقة تفاحة في طفولته - ليقارب الآخرين من موقع خفيف ولكنه صادق، مؤكدًا أن الضحك هنا ليس تسلية، بل طريقة للنجاة.

كما وظفت دكاش ضيوف الشرف بطريقة رمزية وعلاجية، مثل عالمة الأبراج ماغي فرح والممثلة سينتيا كرم. ويبلغ المشهد ذروته في حوار متخيل بين زينة ووالدتها ثم بين ناهية ويوسف، حيث توظّف دكاش تقنية "تقمّص الأدوار" لتتيح المصالحة مع الآخر، حتى بعد الموت. من خلال كل هذه العناصر، تؤكد المسرحية أن الحرية الحقيقية لا تُقاس بالمساحة، بل بمدى التصالح مع الذات.

خلاص شخصي ونضال جماعي

في زمن يكثر فيه التذاكي الفني والتجريب العقيم، تذهب زينة دكاش إلى النقيض، مقدمةً عملًا يتجاوز الفلسفة الزائدة ليلامس صدقاً إنسانيًا عميقًا. لقد عادت إلى الخشبة لتسترد ذاتها المسرحية التي فقدتها، لا كمخرجة أو معالجة فقط، بل كامرأة تبحث عن خلاص شخصي وسط فوضى عامة.

مسرحية «يلي شبكنا يخلصنا» هي بمثابة اعتراف علني وجلسة علاج مشتركة، فيها كثير من المواجهة وقدر كبير من الأمل. المسرح هنا يصبح الطريقة الوحيدة الممكنة للشفاء، لا من السجن فقط، بل من البلاد والذكريات وهشاشتنا الجماعية.

في نهاية المطاف، المسرحية هي خلاصة مسيرة كاملة، استطاعت زينة من خلالها أن تكرم مرحلة من حياتها، لكن الأهم أنها استردت الممثلة التي طالما افتقدناها. إنها تؤمن بأن الفن قادر على التغيير من الداخل. وعلى الرغم من الصعوبات الإنتاجية في ظل غياب الجهات الداعمة، تستحق هذه المسرحية أن تستمر في عروض متواصلة، لتكون مرجعًا مسرحيًا وتربويًا وعلاجيًا لكل باحث عن الفن والمعنى.

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

لبنانصفعة لعيسى ورجي: شيباني باقٍ في بيروت
الأخبار

25.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك