من الكركم إلى الصواريخ… حرب موازية على الترند


يستهدف مبدأ الحرب الإدراكية إدراك الطرف المقابل عبر دفعه للوصول إلى استنتاجات معيّنة والتسليم بها كحقائق. ينتشر المصطلح حديثاً، لكنه لا يبتعد عن التجارب الماضية، ولا يقدم مضموناً جديداً، بل يحدد الأهداف بدقة أكبر. يوضح هذا المبدأ ما تريده الحرب الإعلامية والنفسية والهجينة، بل حتى العسكرية والناعمة.
تستهدف كل الحروب أمراً واحداً لدى الخصم: إدراكه، الذي يحدد من خلاله ما إذا كان قادراً على الصمود أو المواجهة، أو مضطراً إلى الاستسلام والخضوع للطرف الآخر.
تستخدم وسائل التواصل اليوم كسلاح نوعي في هذا النوع من الحروب. تضخ المنصات محتوى موجهاً، وتدفع المستخدمين نحو استنتاجات معيّنة من دون أن يشعروا. يسجل انتصار آب 2006 مثالاً على ذلك، حين أدرك العدو أن كلفة الاستمرار في الحرب تفوق بكثير كلفة التوقف.
View this post on Instagram
يطلق العدو ما يسمى بـ«خطة تغيير الاتجاه 11» في 11 آب بهدف إحداث خرق في الإدراك، فتزرع ثلة قليلة من المقاتلين الصامدين في عقول جنوده وقادته قناعة بأن الوصول إلى الليطاني يتطلب خسائر فادحة، وأن التوقف أقل كارثية. يشكل هذا الاستنتاج إصابة مباشرة في مقتل الإدراك.
يستحضر العدو كل أدواته لاستهداف المجتمعات الخصمة في مقتلها الإدراكي. يدفع الناس إلى مسار التطبيع والخنوع باعتباره خياراً لا بد منه. يروّج لهذا المسار على أنه الأقل كلفة، بل الأخطر حين يقدمه كخيار أفضل.
يسجل التاريخ مثالاً آخر في عام 61 للهجرة، حين اجتاحت الدعاية عقول وقلوب ونفوس الآلاف المحيطين بالإمام الحسين عليه السلام، فتخلّوا عن حبل خلاصهم، واتخذوا قرارات كارثية، بل حوّل بعضهم سلاحه ضد المخلّص نفسه، ودفعوا الثمن باهظاً.
تبدأ مواجهة الحرب الإدراكية بمعرفة أهدافها ووسائلها. تعتمد هذه الحرب على التهويل، والتثبيط، والتسقيط، والتشويه، والتشويش، والتشكيك، والتحريف، والتيئيس، والتوتير، والشحن والتحريض، والإلهاء.
تستخدم القوى المعادية الوسائل الرقمية بكثافة لتحقيق هذه الأهداف. تضخ الأخبار العاجلة بأسلوب مدروس، وتتحكم بطريقة تحريرها وتقديمها، وتختار ناطقين بأسلوب موجّه، وتصنع المحتوى وتهندسه وتحدد وصوله، وتشغل جيوشاً من الحسابات الوهمية، وتخفي الرسائل والمفاهيم في سيناريوهات المسلسلات على المنصات الرقمية، وتوظف أدوات الذكاء الاصطناعي كمصادر موثوقة، وتفعّل آليات الخوارزميات، وتحظر المصطلحات التي تزعجها بحجة نبذ العنف والكراهية.
يدفع الترند نحو تصدّر الأفكار عبر تداول جماهيري واسع وتكرار متواصل حتى تجتاح المنصات. يصفه كثيرون بصانع التفاهة الكبير، لكن الواقع يجعله اليوم صانع القضايا الأكبر، لأن العالم الرقمي يفرض نفسه كمركز لصناعة الوعي.
تجذب الاستجابة الجَمعية التبعية التلقائية بقوة. ترسخ هذه الظاهرة في الطبيعة البشرية منذ القدم. تصف الأديان والثقافات هذه القوة، ويصفها غوستاف لوبون بـ«سيكولوجية الجماهير». تستثمر القوى هذه السطوة عبر صناعة مشهد جَمعي موحد حول فكرة معينة.
يدفع الترند إلى الصدارة حين تتفاعل الجماهير مع فكرة واحدة، سواء تعلق الأمر بشراء إكسسوار، أو إعداد أكلة، أو استخدام موسيقى، أو ترديد عبارة، أو تجربة حركة، أو المشاركة في نقاش، أو الانخراط في قضية. يظهر «ترند الصواريخ» مثالاً بارزاً، إذ ينفذ المشاركون حركة تحاكي هبوط الصواريخ على الكيان المؤقت. ينطلق الترند من زوار الإمام الحسين عليه السلام خلال زيارة الأربعين، فيصل صداه إلى الكيان.
View this post on Instagram
تستنفر الحرب الإدراكية الإسرائيلية–الأميركية أدواتها الرقمية لاستهداف الإدراك الجَمعي في العراق باعتباره إحدى الساحات الأكثر سخونة. يضرب الترند مقتل العدو الإدراكي في أكبر تجمع بشري بالعالم، حين ينفذه أفراد ينتمون للطائفة الأكثر انخراطاً في نصرة فلسطين، في مناسبة ثورية متجذرة، في محضر رمز التحرر ورفض الظلم، وفي زمان ومكان عجز الاستكبار عن طمسهما رغم محاولاته المستمرة.
تسخّر القوى الإعلامية والاستخباراتية جهودها لفصل المناسبة عن معناها وتحويلها إلى طقوس مفصولة عن الواقع، وخلق شرخ بين مكوناتها، خاصة عبر بث العداء لإيران. وفي العراق، يمجّد المشاركون الصواريخ الإيرانية عبر أدوات الساحة الرقمية، ما يجعل الأمر أبعد من أن يكون حدثاً عابراً.
يسبق «ترند الكركم» هذا المثال بفترة، حيث يوجه المشاركون مصباح الهاتف نحو الأعلى تحت كوب ماء مرشوش ببودرة الكركم، ويراقبون تأثيره المضيء. يتزامن الترند مع جولة الحرب الإيرانية–الإسرائيلية في حزيران. يستبدل ناشطون حبات الكركم بالصواريخ الإيرانية التي تتألق في سماء فلسطين، ويستخدمه آخرون لتسليط الضوء مجدداً على حرب غزة.
تثبت هذه الأمثلة أن الترندات تحاكي جزءاً من الطبيعة البشرية. يفقد المجال قيمته إن لم تُستثمر الترندات في ما هو نافع، لأن الفراغ يملؤه الآخرون إن لم نملأه نحن.
تمكّن الاستجابة الجَمعية البشر من دعم قضية محقة حين ينخرطون بوعي. يميز الوعي الإنسان عن القطيع، ويمنحه القدرة على الانخراط أو الامتناع عن المشاركة العمياء. تتحول سيكولوجية الجمهور في الحرب الإدراكية إلى أداة حاسمة، تحمل في طياتها فرصاً وتحديات.
تفرض ظروف الحرب الإدراكية استنفاراً دائماً. يؤخر الانشغال بمهاجمة الأدوات، أو الغرق في التعريفات والنظريات، الانخراط الفعّال، كما حدث مع بدايات وسائل التواصل حين أُهمل التعامل السريع معها لصالح مقاومتها، ما أخر القفزات النوعية. يصلح القول: أن تأتي متأخراً خير من أن لا تأتي أبداً. اليوم تضاعف سرعة التحولات خطورة الموقف، ولا ترحم من يظن أن لديه ترف الوقت.
تدور حرب إدراكية شرسة ولحظية، بأدوات سهلة وسريعة وخطيرة. تفقد أقوى الصواريخ والتقنيات العسكرية قيمتها إذا زعزعت الحرب الإدراكية الثقة بالقدرة على تحقيق الأهداف أو التلاعب بالمنظومة القيمية التي توجهها. ينهار المجتمع إذا أقنعه العدو بأنه عاجز عن النهوض أو عن بناء العزة والاقتدار والحياة الكريمة.
تفرض الحرب الإدراكية هيمنتها على البشر جميعاً بأدوات متجددة تواكب التطور وتنسجم مع المتغيرات، من الخيارات السياسية إلى أنماط الاستهلاك، وتحديد الأولويات، وخيارات المواجهة. ويحدد الوعي الفائز في النهاية: من يملك إدراكاً واعياً أكبر ينتصر.
* مختصة في مجال التربية ومدربة في المجال الرقمي وصناعة المحتوى.
