
«يا أهلنا المرابطين في غزة» بهذه العبارة تطلّ الشيف الأردنية ياسمين ناصر بلهجة مُحبّبة، لا كصانعة محتوى أو طاهية، وإنما كمؤثرة تستخدم منصتها لتقديم الدعم والتضامن الإنساني باللغة التي تحترفها، أي «الطبخ». إذ تقدّم وصفات جاهزة بأقل المكونات لمساعدة أهالي غزة في صناعة «قوت» يومهم، محققةً بأفكارها ومبادرتها البسيطة ملايين المشاهدات.
من الإعلان إلى المطبخ... مسيرةٌ مؤثرة
درست ياسمين إدارة الأعمال والتسويق، واكتسبت خبرة تمتد لثلاثة عشر عاماً في الدعاية والإعلان. شغلت مناصب قيادية بينها رئيسة قسم خدمة العملاء ورئيسة تنفيذية لتطوير الأعمال ضمن شركات عالمية.
لكنّ شغفها بالطبخ كان أقوى من منحنيات الإدارة، فقررت تغيير مسارها، والتحقت بأكاديمية «لو كوردون بلو» في لندن، وتخرّجت مع مرتبة الشرف.
View this post on Instagram
نشأت في مطبخ والدتها، حيث امتصّت حبّ الطهي من ساعات الطفولة. ومن هناك تطوّر الحلم تدريجاً. خاضت دورات في بلدان مثل إيطاليا، وتايلاند، وبريطانيا، واكتسبت خبرات عالمية وقدمت برامج خاصة بالطبخ بلمسة جريئة ومبتكرة مثل برنامجي «مطبخ رؤيا» و«يلا نطبخ».
«دجاج الطحين»... من قلب الأردن إلى القطاع
يعاني قطاع غزة من حصار إسرائيلي أثّر في المواد المتاحة للأهل: نقص في اللحوم، والخبز، وحتى الخميرة. وسط هذا، يواجه الغزيون تحديات يومية لبقائهم: شحّ في الموارد، وأزمات كبيرة في الغذاء. يعيش الأطفال والشباب في مرافق مؤقتة، وأفراد كثيرون تحمّلوا مسؤولية إطعام أنفسهم بلا سند.
ومن رحم هذه المأساة، خرجت الشيف ياسمين ناصر بعدد من الفيديوهات التي تسلّط الضوء على الإبادة الحاصلة في غزة باللغتين الإنكليزية والعربية، داعيةً الناس إلى الحديث والتعبير عن معاناة أهل القطاع المحاصر، قائلة «كنا نسمع جملة ما حدا بيموت من الجوع... كان لسه في خير بالدنيا».
منذ قرون، كان المطبخ سلاحاً صامتاً في أزمنة الحصار والحروب
وكان أول فيديو أو وصفة قدمتها ياسمين في هذا السياق «دجاج بلا دجاج» أو «دجاج الطحين». في فيديو انتشر كـ«ترند» عالمي، شرحت ياسمين كيفية صنع بديل نباتي للدجاج باستخدام الطحين، والماء، والبهارات (يسمّى طعام الـ Seitan) ليكون مصدراً بروتينياً متاحاً ورخيصاً في ظل شح الموارد.
View this post on Instagram
تفاعل هذه الوصفة مع جمهور غزة الداخلي كان بالغ التأثير. نشر ناشطون من داخل مدينة غزة صوراً لأطفال في مخيمات النزوح يتذوّقون هذا «الدجاج» أو يحاولون اتباع الوصفة بفرح، أو سيدات جرّبنها وقدّمن تقييماً لمدى نجاحها.
وتشارك ياسمين عادةً هذه الفيديوهات والتعليقات عبر خاصية مشاركة الستوري، ولا تنسى التعليق في حسابات الغزيين، فيما حاول بعضهم التشكيك في نوايا الشيف الأردنية والقول إنّها تستغلّ معاناة الغزيين لتحصيل مشاهدات.
في كانون الأول (ديسمبر) 2023، أكدت ياسمين في تصريحات أنّها تتواصل مباشرة مع أشخاص داخل غزة لتعرف من هم الأكثر حاجة، وما هي الموارد المتوافرة لديهم، حتى تصمّم وصفات حقيقية تلائمهم، وتقول بالحرف: «أنا أحاول أن أساعد هذه الفئة وتعليمهم بعض الطرق لمواصلة الحياة».
وفي هذا الإطار خرجت ياسمين بوصفات جديدة منها ما يعتمد على ورق الصبّار مع تعداد فوائده، وأخرى تعتمد على الفحم كمنكّه للطعام يقوم مقام البهارات، بعد إشارة بعض أهالي غزة على فيديوهاتها إلى أنّ البهارات رفاهية غير متوافرة.
الطبخ كأداة ثقافة وتضامن
في أحد آخر فيديوهاتها، تقدم الشيف ياسمين طريقةً لصناعة القهوة من حبوب الحمص. وتشير إلى أنّ هذه الطريقة استخدمت في فترات صعبة في دول أخرى مثل إيطاليا وتركيا. ومن المثير للإعجاب أنّ أهل غزة شاركوا إضافات قاموا بها على الوصفة، كأنّهم يتبادلون المعلومات مع ياسمين.
View this post on Instagram
منذ قرون، كان المطبخ سلاحاً صامتاً في أزمنة الحصار والحروب. في بيروت الثمانينيات، ابتكرت النساء وصفات بلا لحوم لتعويض النقص. وفي أوروبا زمن الحرب العالمية الثانية، صار «خبز البطاطا» و«شوربة الماء» رموزاً للبقاء. وفي سوريا أيضاً، ابتكرت الأمهات أطباقاً تتناسب مع الأزمات الاقتصادية.
في غزة اليوم، حيث تُحاصر حتى لقمة الخبز، تواصل الشيف الأردنية ياسمين ناصر هذه السلسلة من الإبداع المقاوم. لقد جعلت من وصفاتها جسراً بين مطبخها ومطابخ الغزيين.
لم تكتفِ بالتضامن بالكلمات، بل قدّمت محتوى يُراعي شحّ الموارد ويحترم ابتكار الناس في مواجهة الجوع. ولم تدر وجهها لمأساتهم، بل رفعت شعار «جود بالموجود» وجادت.

