ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

درويش وعدُّولَةْ... لحظةُ القبضِ على الإبداع!

ثقافة
|موسيقى
حفظ المقالة

تعتبر ملحمة «درويش وعدُّولة » من أهمّ الملاحم الكرديَّة على الإطلاق، ولها أهميَّة عظمى على صعيد الذاكرة والمخيَّلة الكُرديَّتين

جوان تتر
جوان تتر
الجمعة 15 آب 2025
درويش وعدُّولَةْ... لحظةُ القبضِ على الإبداع!
الخط

بخطىً ثابتةٍ ومستقيمةٍ نحو التاريخ، القديم والرَّاهن، تمضي مؤسسة «هونركَها ولات » الفنيَّة في إنجازانها الموسيقيَّة والتصويريَّة العابرة للأذواق والأمزجة، لتوصِل المستمع إلى عالمٍ آخر، مختلفٍ عن الذي نعيشهُ ونراه ونسمعه! (على الأقلّ من خلال تَجوالٍ في الأعمال التي أنجزتها طوال سنوات عملها)، ثمَّة ما هو مختلفٌ في تاريخ هذه المؤسسة الفنيَّة التي لا يمكنُ بحالٍ من الأحوال نعتُ إمكانيَّاتها بالضعيفةِ أو الضئيلة، بل على النقيض، بها ما بها من إمكانيَّاتٍ وقدراتٍ فنيَّة –بلا مبالغةٍ – لعلَّها قد تضاهي خبراتَ أفضلِ مؤسسةٍ فنيَّةٍ في دول الجوار السوريّ!

بيدَ أنَ الحرب والأوضاع في سوريا بشكلٍ عام، وشمال شرق سوريا – حيث تعمل المؤسسة المذكورة- بالتحديد، حيثُ لا آذانٌ مطمئنَّة بمقدورها الإصغاء، ولا مزاجٌ فنيٌّ متقدِّمٌ بمقدوره التقييم!! يجعل منها مؤسسَّةً فنيَّة كغيرها من المؤسسات، لكن بمجرِّد تفكٌّرٍ لبرهةٍ واعيةٍ من قبل الجمهور والمختّصين، ستُكتَشَفُ البراعةُ المؤدَّاة، وحجمَ التعب والاجتهاد لدى هذه المؤسسة وطاقمها.

انطلاقاً من التاريخ نحو الحاضر وإعادة تدويره – أعني التاريخ – صدر للمؤسسة الآنفة الذكر شريطٌ تصويريٌّ فنيٌّ أدائيٌّ موسيقيٌّ إرثيٌّ تراثيٌّ فلكلوريٌّ معنوَنٌ باسم: «عشقُ درويش عفدي وعدُّولة ». هذه الملحمةُ المغنَّاة بحناجرَ كرديًّةٍ عتيقة، آثرت «هونركَها ولات » أن تبحث في النسخِ العتيقةِ وتختار إعادة إحياءِ نسخةٍ، لعلَّها تعتبرُ الأفضلَ والأصوَب! وفق منظور القائمين على العمل المُنجَز، ألَا وهي نسخة القوَّال الكردي المعروف: «بافى (أبا) صلاح ».

الملحَمة ولماذا الآن؟!

قد يسألُ سائلٌ، وهذا أمرٌ طبيعيّ وتساؤلٌ مشروع، لِمَ فكَّرت «هونركَها ولات » بإعادة إنتاج هذه الملحمة بعد مرور كل هذا التاريخ؟ أو لِمَ بالتحديد في العام 2025؟! تعتبر ملحمة «درويش وعدُّولة » من أهمّ الملاحم الكرديَّة على الإطلاق، ولها أهميَّة عظمى على صعيد الذاكرة والمخيَّلة الكُرديَّتين، لأنَّ الأحداث برمَّتها حصلت في مناطقهم. كان درويش من معتنقي الديانة الأيزيديَّة، فيما كانت عدّولة مسلمةً، وتنشَب حربٌ في تلك الفترة، فيُعلِنُ والدُ عدّولة، بأنَ من يشرب قهوتهُ ويساعده في حربه تلك فإنَّه سيزوَّجهُ ابنته، لا يرضَى أحد، فُيقبِل الفارسُ درويش ويشربها ليتّجه للحرب بلا عودةٍ، رغم معرفته بالأمر. حكايةُ حبٍّ وفروسيَّةٍ عظيمة.

بعد عقودٍ طويلةٍ من التهميش، من المهم معرفة أنَّ العام 2025 قد يمثِّل اللحظة المناسبة لإعادة الاعتبار لتاريخٍ محليٍّ كرديٍّ غنيّ، ولا سيِّما في ظلِّ التحولات السياسية والثقافية التي ربما قد تعيد تشكيل المنطقة برمَّتها، والملحمة المذكورة آنفاً تستحضر للزمن الرَّاهن تحالفاً كانَ عشائريَّاً متنوِّعاً جمعَ فيما مضى بين العرب والتركمان والكرد والأيزيديين، في زمنٍ كانت الروابطُ فيه عابرةً للانقسامات الدينيَّة والعِرقيَّة. إنَّ ملحمة «درويش وعدُّولة »، ليست فقط مجرَّد حكاية حبٍّ، بل هي حكايةُ الجسارة والتضحية والوفاء، وقيمٌ يُراد من خلال الشريط الغنائيِّ المُحدَّث استعادتها في زمن التحديَّات الرَّاهن.

التصوير والإخراج

ينطلق المخرج (شيرو هندى، ابنُ السينما وأصولِها) في الشريط الغنائي الممتدِّ زمناً لـ 16 دقيقةٍ، من منظورٍ تاريخيّ للعين المُصوِّرة، المكانُ مرتَّبٌ ومجذوبٌ من الماضي بحرفيَّةٍ، والخيولُ تذهب وتجيءُ وتجوبُ البريَّة وتتسلَّقُ الجبال، يمتطيها فرسانٌ يعتليهم الغبار، وثمَّة حضورٌ لفنجان القهوة الذي سيُكسَر مع تتابع الأحداث وتسارعِ وتيرتها، فنجانُ القهوةِ المكسور ذا الرمزيَّة العظيمة، والأشخاصُ الواقفون أمام العدسَةِ وكأنَّهم مُسْتَحضَرون سحريَّاً من أعماقِ غبار التاريخ، إضافةً للخيمة الكرديَّة الوحيدة في الصحراء الواسعة التي تستعدُّ لحربٍ ضروسٍ في زمنٍ ما من التاريخ الكرديّ، والفتيات والشبَّان اللذين يعزفونَ على آلتين كرديّتينِ تراثيتين، الطنمبور والدفّ، في مشهدٍ إقحاميٍّ داخل الملحمة بمنهجٍ بارع. كلُّ شيءٍ مخطَّطٌ بدقَّة لاستحضارِ الماضي وجرِّه إلى السياق الرَّاهن ليتطابق وإيَّاه بدهاءٍ، الحربُ ثمَّ القتل، ويليه سِلمٌ هَشٌّ ربمَّا!

ويبدو أنّ التخطيط والإعداد يتخطَّى مجرَّد كونِهِ شريطاً غنائيَّاً ملحميَّاً وكفى، بل واضحٌ بجلاءٍ أنَّ المخرج اعتمدَ على مرويَّاتٍ وسرديَّاتٍ تاريخيَّةٍ دقيقةٍ للغاية لوصف الملحمَة بمشاهد فنيَّة تصل إلى مرتبة السينمائيَّة، حيث من الواضح أنَ مخرج العمل الملحميّ، تعِبَ ذهنيَّاً وبصريَّاً (وهذا جليٌّ في الشريط بكامل تفاصيله الصغيرة وجزيئاته) إلى أن نجحَ في إعادة خلق الملحمةِ بصريَّاً كما حصلت في زمنٍ ما، ونقلها كما هيَ إلى الواقع الرَّاهن، وكأنَّ المتلّقي في حلمٍ، الخيلُ ربمَّا هو نفسه الذي تمّ ذكره في نُسَخ الملحمة المتعدِّدة، والفرسان كذلكَ الأمر لهم السُّحناتُ ذاتها والتعبُ ذاته، ولعلّ فنجان القهوة هو نفسه! كل تلك العناصر المذكورةِ آنفاً، لا يمكن للعين أن تراها دفعةً واحدةً، فذهنُ المتلّقي بحاجةٍ إلى استعدادٍ، لأنَّهُ ليس أمامَ شريطٍ بسيطٍ وساذَجٍ أو (فيديو كليبٍ) عابر، إنَّما أمام عملٍ ملحميّ يمتزجُ فيه التراثُ مع الحداثَةِ، الموسيقى مع الأداء الماهِر والمشغولِ عليه بإتقانٍ، الفلسفةُ مع التاريخِ والسياسة.

مؤدُّو الرقصات، حكايةٌ مستقلِّةٌ بحدِّ ذاتها! حيثُ من الصعب الوصولُ إلى ذهن المتلقي في الوقت الرَّاهن عبر الإيماء، ولا سيَّما أنَّ الملحمةَ معروفةٌ للقاصي والدَّاني من الكُرد، سوى أنَّها غير معروفةٍ لغيرهم، لكن الإيماءات والأداء الإبداعيّ ساهمَ في إيصال فكرة العمل، على الأقلّ جزءاً منه، لمن لا يتقنُ اللغةَ الكرديَّة، لنرى ملامح الخوفَ، الرعب، الاطمئنان، وهي ترتسمُ على وجوه الشخصيَّات المُشارِكَة في الأداء، وتقوم أبدانَهُم بتمثيل اللحظةِ التي يتفوَّه بها المغنِّي، وكأنَّها ترجمةٌ حرفيَّة لما يرِدُ في سياق الأغنية، لكن بالإيماء، والإيماءِ فقط، علاوةً على أنَّ الموسيقى صادمة! فهي تؤشِّر في بدايةِ أي جملةٍ موسيقيَّةٍ جديدة على أنَّ ثمَّة حدثاً ما على وشك أن يقع.

عقلٌ يغنِّي!! (الموسيقى إذ تحاورُ الصوُّرة)

وكذا الموسيقى، لا ينطلق الموسيقار محمود برازي (سليلُ الموسيقى وإبداعها) من موسيقى تخاطبُ القلب والوجدان فحسب، إنَّما تتوجَّهُ إلى العقلِ والذِّهن مباشرةً، يخالُ للمرءِ أن يَنعَتها بـ الموسيقى العقلانيَّة، ليس لكونها خاليةً من عاطفةٍ، وإنَّما لأنَّها مبنيَّة على منطقٍ داخليّ موسيقيٍّ صارِم، ومُصاغة وفق إيقاعٍ هندسيٍّ صوتيٍّ موسيقيٍّ دقيق. إنَّ التراكم المتوِّتر والتحرُّك السريع للإيقاع بما يتناسب ويتِّفق مع الحدث الدرامي الذي أمام بصر المشاهد، معجزةٌ بحدِّ ذاتها! كلُّ جملةٍ موسيقيَّة إعلانٌ عن حَدَثٍ قادمٍ لا محالة، كما وأنَّ كل نغمةٍ تُلقي بظلالها على المشهَد بدقَّةٍ غير موارَبة، الموسيقى هُنا ليست مجرَّد خلفيَّة لأداء المغنِّي، بل يمكن اعتبارها الشريكَ الأوحَد في بناء سرديَّة الملحمة. لم يكتفِ محمود برازي باستخدام الآلات المُغرَقةِ بالتراث لغرورٍ، أو لسذاجةٍ، بل حاولَ إعادة توزيعها بنهجٍ يمكِّنها من محاورة الأداء والرقص والصورة والإيماءات، بل وحتَّى الصمت ولحظاتها الكثيرة ضمن الملحمة!، الموسيقى هنا ليست مجرَّد استكمالٍ وإنَّما أسٌّ للعمل برمَّته.

يبقى إنتاج مؤسسة «هونَركَها ولات » الفنيّ، من أنقى وأسمى ما يمكن للفنّ أن ينتجه، وهو العودةُ إلى الماضي وتسخيره للحاضر وللجيل الرَّاهن والأجيال القادمة، تسهيلُ الشعبيّ الصعب، وتحويله إلى إرثٍ حاضرٍ مفهومٍ وغيرِ غامض يمتدُّ لسنواتٍ طويلةٍ.

جوان تتر

الأكثر قراءة

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

آسيامحاولة باكستانية لتدارك التصعيد: إيران تلوّح بـ«القنبلة»
محمد خواجوئي

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك