
موجة من صور الطلاب والفنانين الذين يقفون إلى جانب لوحات وتماثيل عارية، انتشرت على حسابات السوريين على منصات التواصل الاجتماعي تعبيراً عن رفض التعميم الصادر عن كلية الفنون الجميلة في دمشق بمنع طلاب السنة الأخيرة من الاعتماد على الموديل العاري في مشاريع التخرج، ملوّحة بعقوبة «علامة الصفر» لمن يتجاوز القرار.
خطوة تعكس مزاجاً عاماً يتجه نحو مزيد من التضييق على الفضاءات الثقافية والإبداعية في سوريا الجديدة، ووصفها التشكيليون والمثقفون السوريون بأنها تعدٍّ مباشر على حرية الفن وتدخّل فجّ في مسار تعليم أكاديمي ظلّ، لعقود طويلة، بوابةً للتمرّد والإبداع.
«أم حنان» تترك المؤسسة التعليمية
حالما انتشر نص القرار حتى اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي. نشر طلاب وفنانون صورهم إلى جانب منحوتات ولوحات عارية، في فعل احتجاج رمزيّ يؤكد على أنّ الجسد في الفن ليس عيباً، بل ضرورة معرفية وجمالية.
أما «تجمّع الفنانين التشكيليين المستقلين»، فقد أصدر بياناً شديد اللهجة اعتبر فيه أن «السكوت على تنفيذ قرار كهذا عار على الثقافة والمثقفين في سوريا… وتعدٍّ على حرية الإبداع وعلى الحرية عموماً». لم يكتفِ البيان بالتنديد بالقرار، بل دعا جميع الفنانين والمثقفين إلى رفض ما وصفه بـ«تحكّم حفنة من غير المختصين والظلاميين بشؤوننا الثقافية ومقدراتنا».
-
عاريات عبدلكي
منذ تأسيس كلية الفنون الجميلة عام 1961، كان رسم الجسد الإنساني مادةً أساسيةً ضمن المناهج كما هي مادة التشريح في الكليات الطبية، تُدرَّس بوصفها المدخل الأول لفهم التكوين الفني والنسب التشريحية.
⚫ مقالات ذات صلة:
◀ كلنا عاريات يوسف عبدلكي - بيار أبي صعب
◀ أكاديميات الفنون في سوريا الجديدة: إذا ابتليتم بالموديلات... فاستتروا! - رماح إسماعيل
مع نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات، بدأ حضور الموديل العاري يتراجع داخل استديوهات وقاعات الرسم والنحت السوري تحت ضغوط سياسية واجتماعية ودينية.
أمر عزاه بعضهم إلى «محاولات نظام «البعث» السابق محاباة الفئات المتدينة في سوريا». بعد انتشار القرار، استعادت بعض وسائل الإعلام أسماء مثل «أم حنان»، التي اشتهرت كموديل حيّ في الكلية خلال السبعينيات، وباتت جزءاً من ذاكرة أجيال من الطلاب الذين تعلّموا أن الفن لا ينفصل عن معرفة الجسد.
حركة تحررية ضد الاستعمار
ولدت فكرة «العري العقرارربي» مع نهاية الاستعمار حين تبنى عدد من الفنانين السوريين والعرب المفهوم كوسيلة للتعبير عن الحداثة وتحرر الهوية الفنية.
في كتاب «فن، يقظة، وحداثة في الشرق الأوسط: العري العربي» (2017)، يؤكد الباحثون أن فن العري كان مرتبطاً برغبة في كسر التابوهات الاستعمارية واستلهام الحركة التشكيلية العالمية مع إبراز سياق عربي خاص. مثلاً، رسم السوري فاتح المدرّس في الستينيات نساء عاريات بخطوط جريئة في أعماله الفنية، متجاوزاً القوالب التقليدية ومشككاً في الوصم الثقافي.
واستعاد السوريون عدداً من اللوحات العارية لتشكيليين سوريين يدافعون أو يبررون قرار المنع في الكلية. علماً أن أعمالهم تتضمّن نساء عاريات أو حتى تعابير عن علاقات جسدية تعبر عن الرغبة والشغف.
وفي الثمانينيات، زاد الطابع المحافظ في المجتمع السوري تحت ضغط الصراعات الداخلية. صار النظام السياسي أكثر مراعاة للحركات الإسلامية بعد القضاء على الجناح العسكري لتنظيم «الإخوان المسلمين» المعروف باسم «الطليعة» عبر ارتكابه ما عرف لاحقاً بمجزرة حماه 1982.
في تلك المدة، انتهت تقريباً ممارسة الحياة العارية في كليات الفنون السورية بحجة تقليص التكاليف، رغم أنها كانت تعدّ أساساً لتكوين مهارات التشريح الفني. استبدل بعض المدرسين النماذج العارية بنماذج مرتدية ملابس منذ بداية الثمانينيات، إذ اعتبروا العري «استيراداً أوروبياً لا يتناسب مع المجتمع السوري».
أثّر هذا المنع الخفي في جيل من الفنانين الناشئين (خصوصاً النحاتين) الذين حُرموا من تدريب تشكيلي جوهري.
«عاريات» عبدلكي... الذاكرة القريبة للحرية
يعيد هذا النقاش إلى الواجهة تجربة التشكيلي السوري يوسف عبدلكي، الذي أقام في عام 2017 معرضه الشهير «عاريات» في «غاليري كامل» في دمشق. يومها، اشتعل الجدل بين من رأوا في المعرض «إثارة غير مبررة» في زمن الحرب، ومن اعتبروه فعل مقاومة جمالية ضد الخراب والتصحّر.
عبدلكي، المعروف بموقفه المؤيد للثورة السورية ومعارضته لنظام «البعث»، لم يكن يطرح الجسد من موقع استفزازي، بل من موقع استعادة تقاليد الحداثة الفنية التي عرفتها دمشق وبيروت وعواصم عربية أخرى منذ الثلاثينيات. وكان عبدلكي يرسم «عاريات» في زمن الحصار والمجازر، مُحوّلاً الجسد إلى رمز للمقاومة والصمود في وجه الموت. ولم يكن يدري أن ما فعله سيصبح حلماً لطلاب الفنون اليوم الذين يواجهون واقعاً أكثر صلابة من السلطات الجديدة في سوريا.
في مواجهة هذا الواقع، ربما من المفيد التذكير بما قاله تشرشل عندما طلب منه قطع التمويل عن الفنون من أجل دعم المجهود الحربي في الحرب العالمية الثانية، أجاب: «إذن ما الذي نقاتل من أجله؟». فهل يتذكر السوريون ما الذي ثاروا من أجله؟
وهل يتمكن الفنانون المستقلون من التمسك بموقفهم بالدفاع عن حرية الجسد في الفن لأنّه ليس ترفاً، بل معركة من أجل إبقاء مساحة للفكر النقدي والجمال الحر.


