
بعد ساعات قليلة من الاستهداف المباشر لصحافيين على الهواء مباشرة في قطاع غزة، أعلنت المصوّرة الصحافية فاليري زينك، فجر اليوم الثلاثاء، عن استقالتها من وكالة «رويترز» بعد علاقة مهنية دامت ثمانية أعوام. لكنّ موقفها الفردي لم يمرّ مرور الكرام، بل تحوّل إلى صرخة مدوية لاقت دعماً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي، ضد ما وصفته الصحفية الكندية بـ«خيانة الصحافيين» وتواطؤ الإعلام الغربي في تبرير استهداف الصحافة الفلسطينية في غزة.
ونشرت زينك على حساباتها على وسائل التواصل الاجتماعي رسالة أشارت فيها إلى أنّها لم تعد قادرة على «حمل بطاقة رويترز إلا بشعور عميق بالخزي والحزن»، متهمة الوكالة بتضليل الجمهور و«تكرار الأكاذيب الإسرائيلية» التي أسهمت في خلق بيئة مميتة للصحافيين، حيث قُتل أكثر من 200 إعلامي منذ بدء الحرب على غزة في تشرين الأول (أكتوبر) 2023.
خيانة الصحافيين
وقالت زينك في رسالتها: «أصبح من المستحيل بالنسبة لي الحفاظ على علاقة مع «رويترز»، نظراً إلى دورها في تبرير وتمكين الاغتيال المنهجي لـ245 صحافياً في غزة»، مضيفة أنّ تغطية الوكالة لقضية الصحافي أنس الشريف مثال صارخ على ذلك؛ إذ نقلت «ادعاءً إسرائيلياً بلا أساس» بأنه ينتمي إلى «حماس»، رغم كونه من أبرز مراسلي قناة «الجزيرة» وحائزاً جائزة «بوليتزر».
I can’t in good conscience continue to work for Reuters given their betrayal of journalists in Gaza and culpability in the assassination of 245 our colleagues. pic.twitter.com/WO6tjHqDIU
— Valerie Zink (@valeriezink) August 26, 2025
الإعلام الغربي «ناقل للبروباغندا»
لم تكتف زينك بانتقاد «رويترز» فحسب، بل حمّلت الإعلام الغربي برمته مسؤولية التواطؤ، مستشهدة بالصحافي الأميركي جيريمي سكاهيل الذي وصف كبريات المؤسسات مثل «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» و«رويترز» بأنها مجرد «ناقلة للبروباغندا الإسرائيلية»، تعيد إنتاج الرواية الرسمية من دون تحقق أو مساءلة.
وأشارت إلى أن هذا النهج لم يمنع إسرائيل من استهداف مراسلي تلك الوكالات أنفسهم، مثل المصور حسام المصري الذي قُتل في قصف استهدف «مستشفى ناصر» في خان يونس، ضمن ما يُعرف بـ«الضربة المزدوجة»، حيث يُستهدف المكان مرتين لإيقاع أكبر عدد من الضحايا من المسعفين والصحافيين.
وفي كلماتها الختامية، كتبت زينك: «سأكرّس ما تبقى من عملي لتكريم زملائي في غزة، أشجع الصحافيين وأشجع البشر الذين وُجدوا».
أزمة أخلاقية ومهنية
تعمّق استقالة زينك أزمة الثقة العميقة مع المؤسسات الإعلامية العالمية بسبب التغطية على جرائم القوات الإسرائيلية في قطاع غزة، حتّى عند استهداف الصحافيين التابعين لهذه المؤسسات. كما تُسلّط خطوتها الضوء من جديد على سؤال محوري: هل تظل المؤسسات الإعلامية الغربية حبيسة الرواية الرسمية الإسرائيلية، أم تستعيد بوصلتها الأخلاقية والمهنية بالوقوف إلى جانب زملائها الصحافيين الذين دفعوا حياتهم ثمناً للحقيقة؟
الاستقالة قد لا تغيّر سياسة مؤسسة عملاقة مثل «رويترز»، لكنها بلا شك تُسجّل كفعل احتجاجي رمزي يذكّر العالم بأن الصمت هو تواطؤ، وأن مهنة الصحافة تفقد معناها حين تتحول من سلطة رابعة إلى أداة تبرير للقتل.

