
امتلأت شوارع إنكلترا بأعلام «صليب القديس جورج» والـ«يونيون جاك» التي تدلّت من أعمدة الإنارة وغطّت الأزقة.
بدأت القصة في حي ويولي كاسل في مدينة برمنغهام حين علّق شبان الأعلام بعد حادثة في بلدة رَغبي منعت طالبة في الثانية عشرة من إلقاء خطاب وهي ترتدي ثوباً يحمل ألوان العلم البريطاني.
ثم تحوّل الأمر إلى حملة محلية باسم «محاربو ويولي» جذبت تبرعات عبر الإنترنت قاربت الـ14 ألف جنيه وخلقت نشاطاً يومياً لتعليق الرايات.
مع الوقت، تمددت الموجة من برمنغهام إلى وورستر وبرادفورد ومانشستر ونيوكاسل ونوريتش. ثم ظهر شعار «عملية رفع الألوان» على تيك توك وفايسبوك مدعوماً بمقاطع فيديو لمجموعات تركّب الأعلام ليلاً على نحو منظم. لاحقاً، رفع ناشطون مئات الرايات دفعة واحدة في كناري وورف بلندن، وانتشرت الصور بسرعة كبيرة.
أبعاد متشابكة
كشفت تقارير صحافية أنّ مجموعات في «عملية رفع الألوان» تلقت دعماً عينياً من جماعات يمينية متطرفة مثل «بريطانيا أولاً»، وأكدت مشاركة شخصيات مرتبطة سابقاً بـ«رابطة الدفاع الإنكليزية» ( منظمة يمينية متطرفة معادية للإسلام نشطت في إنكلترا منذ عام 2009 حتى منتصف عام 2010) في التوسع.
ثم نفت المبادرات المحلية أي صلة مباشرة باليمين المتطرف وأكدت خطاب «الوحدة والفخر». غير أنّ تزامن الحملة مع احتجاجات ضد إيواء طالبي اللجوء في فنادق عدة ألقى بظلال كثيفة على المشهد. في شوارع إسيكس ودورست وويست ميدلاندز ارتفعت الأعلام إلى جانب لافتات تهاجم المهاجرين.
ثم دخلت الشرطة على الخط وفتحت تحقيقات في طلاء طرقات وممرات مشاة بشعار القديس جورج، ووصفت الأمر «تخريباً».
لاحقاً أزالت المجالس المحلية أعلاماً من أعمدة عامة بدعوى السلامة، ما فجّر سجالاً في الشارع. وصفت وزيرة التجارة المحافظة كيمي بادينوك إزالة الأعلام بـ«المخزية»، ورأت أنّ الخطوة تظهر تطبيقاً انتقائياً للقوانين.
ثم ردّت بلديات يديرها حزب العمال بأنها تحمي السائقين والمشاة من مخاطر سقوط الأعلام أو حجب إشارات المرور. لاحقاً انقسم الرأي العام، فاعتبر بعض السكان الأعلام رمزاً للهوية والاعتزاز، ورآها آخرون رسالة إقصائية تستهدف الأقليات والمهاجرين.
دخول إيلون ماسك
دخل إيلون ماسك على الخط عبر منصّته «إكس». ثم شارك صورة العلم عبر حسابه وضاعف انتشارها ومنح الحملة زخماً دعائياً. وبعد ذلك، واصل ماسك نشاطه عبر دعم ناشطين يمينيين مثل تومي روبنسون. وكانت حكومة كير ستارمر قد تصدّت لماسك عبر مشروع يهدف إلى مراقبة المحتوى الذي قد يُصنّف «بوادر تطرف» على منصة «إكس». ثم اعتبر ماسك أنّ المشروع يهدد حرية التعبير.
خلفيات تاريخية وقانونية
اختار الملك إدوارد الثالث القديس جورج شفيعاً لإنكلترا في القرن الرابع عشر، لكن شعاره تحوّل في العقود الأخيرة إلى رمز ملتبس بعدما تبنته جماعات قومية متطرفة.
وأظهرت استطلاعات نشرتها YouGov أنّ غالبية الإنكليز رأت في رفع العلم تعبيراً مشروعاً عن الانتماء، فيما رأى ربع المستطلَعين تقريباً أنّه «فعل عنصري». وسمحت تعديلات 2012 برفع الأعلام الوطنية بلا ترخيص ضمن شروط تخص السلامة والموافقة، ما وضع البلديات في مواجهة مباشرة مع الموجة الجديدة.
اجتمعت عوامل كثيرة في خلفية الظاهرة: أزمات اقتصادية مع تحذيرات بزيادات ضريبية وخدمات متراجعة، وقلق من الهجرة واللجوء، وإحساس واسع بالتجاهل من جانب النخب السياسية. ثم ضخّمت السوشال ميديا هذا الإحساس وحوّلته إلى فعل مرئي في الشارع. وأخيراً دخل إيلون ماسك على الخط ليمنح القصة بُعداً ثقافياً وسياسياً أوسع.

