
منذ استحواذ إيلون ماسك على المنصّة، تحوّلت «حرّية الرأي» إلى شعار ملتبس. إذ سمحت بخطابات كراهية ونازية تحت غطاء الحرّية، بينما استمرّ التضييق على الأصوات المؤيّدة لفلسطين. النتيجة: أداة بيد النظام الأميركي لتلميع صورته، وحماية إسرائيل، وتعزيز الانقسام بخطاب مضلِّل
منذ ما قبل استحواذ الملياردير الأميركي إيلون ماسك على منصّة تويتر وتغيير اسمها ليصبح X، وهو يعبّر عن تخوّفه من تضاؤل مساحة «حرّية الرأي»، وكان قراره شراء المنصّة نتيجةً مباشرة لوصول التضييق إليه. لكنّ العبارة هذه حمّالة أوجه، يفسّرها كلّ طرف على مقاسه بحسب انتمائه، ما تسبّب في نوع من الفوضى، فأثنى بعضهم على التغييرات الطارئة على المنصّة في مقابل انتقاد آخرين لها. هكذا، أصبحت العبارة مناقضة لذاتها (oxymoron).
كلّ يفسّرها على ذوقه
ماسك معروف بتبنّيه سردية المحافظين عن حرّية الرأي. وهؤلاء عندما يتكلّمون عنها، يعنون بشكل عام السياسات الاجتماعية «الليبرالية» التي تتعلّق بحقوق النساء والمثليّين والسود وغيرهم من مجموعات مهمّشة، وهي سياسات تستغلّ قضايا هؤلاء لتفرض نوعاً من الإقصاء للآخرين وفرضاً للغة معيّنة في مقابل تلميع صورة الليبراليّين.
أمّا بالنسبة إلى الليبراليّين، فتعني حرّية الرأي أن يعبّروا عن هذه السياسات المذكورة من دون أن يتعرّضوا للكراهية. لكنّ هؤلاء بان نفاقهم وعنصريّتهم عندما خضّوا الدنيا من أجل أوكرانيا، فيما لم يرفّ لهم جفن إزاء الإبادة في فلسطين، وإن رفّ فكان متأخّراً.
حماية «إسرائيل» من النقد
تبقى هناك مجموعة إلى يسار كلا المذكورتَين آنفاً، تعتبر أنّ حرّية الرأي حقّ للجميع، فتؤيّد حقوق المهمّشين فعلاً لا قولاً وتعارض في الوقت عينه استغلالهم من أجل فرض سياسات تدّعي مناصرتهم فيما جلّ ما تفعله هو ترسيخ الانقسام.
من هنا، يُفهم التوجّه الذي طرأ على منصّة ماسك. رغم إفساح المجال لبعض الكيانات والمجموعات التي كانت تتعرّض للحظر سابقاً، ولا سيّما تلك التي تعتبرها الولايات المتّحدة معاديةً لها، إلّا أنّه لم يُلحظ انخفاض في حظر المحتوى المؤيّد للفلسطينيّين، بل وصل الأمر إلى حدّ إغلاق روبوت الدردشة grok، وهو نظام الذكاء الاصطناعي الخاصّ بـ«إكس»، لساعات، من أجل إعادة برمجته كي يكون أقلّ حدّةً ضدّ الكيان الصهيوني، ولا سيّما بعدما أدلى بمواقف نازية، وهو ما أثار التساؤلات عن كونه «خطأً» متعمّداً.
محتوى نازي
هنا لبّ المشكلة؛ بدلاً من إفساح المجال للمحتوى الفلسطيني، أُسبغت عليه صفة النازية، وهو أمر لا يمكن اعتباره بريئاً. مَن يتصفّح المنصّة حاليّاً، يمكنه ملاحظة انتشار محتوى ذكوري متطرّف، وعنصري فاقع ضدّ السود والمهاجرين والهنود والصينيّين والعرب واللاتين وغيرهم من المجموعات العرقية، وكاره للمثليّين، ومعاد لليهود كيهود وليس للصهيونية... وكلّ ذلك تحت راية «حرّية الرأي».
حتّى ظهر أشخاص يملكون ملايين المتابعين وقدرة تأثير هائلة، مثل كاني وست، ودان بلزاريان، وحتّى آندرو تيت، فنشروا محتوى معادياً لليهود ومؤيّداً للنازية في بعض الأحيان.
ثلاثة عصافير بحجر
كما ذكرنا آنفاً، هو أمر لا يمكن اعتباره بريئاً، فالهدف إسباغ الشرعية على السردية الصهيونية وإعطاؤها دفعةً في زعمها بأنّ الفلسطينيّين ومؤيّديهم «معادون للسامية» وليس للصهيونية.
هي الطريقة ذاتها التي استغلّ عبرها الليبراليّون الحركة النسوية على سبيل المثال، فحوّلوها زوراً إلى ما يشبه الطائفة، وحوّروا أهدافها المحورية من حصول النساء على حقوقهنّ إلى مشاركتهنّ في النظام الذكوري الذي يُفترض أنّهن يعارضنه، وبالتالي مشاركة نساء في استغلال نساء أخريات.
فكان الأمر بمنزلة إصابة ثلاثة عصافير بحجر: أوّلاً لمّع النظام صورته واستخدم النساء بيادق لارتكاب موبقاته، وثانياً أسكتهنّ وحيّد «خطر» حصول أيّ تحوّل رادكالي، وثالثاً ألّب المحافظين أكثر عليهنّ ومطالبتهنّ بحقوقهنّ وعزّز الانقسام كي تستمرّ لعبة «فرّق تسُد».
بالمثل، يحمي النظام الأميركي نفسه من النقد الموجّه لدعمه المطلق لكيان الاحتلال، عبر وضع الناقدين في سلّة «معادي السامية»، فيما يستخدم بعض النوّاب والشخصيّات الذين يدّعون مناصرة الفلسطينيّين لامتصاص الغضب ومنع ظهور تحرّكات رادكالية (وهو ما فشل فاضطر اللجوء إلى القمع كما في الجامعات)، وعزّز الانقسام أكثر لادّعاء أنّها «قضية حسّاسة» لا يمكن أخذ طرف بها. هكذا، لا تعدو منصّة «إكس» كونها أداة بيَد هذا النظام، فيما المستخدمون هم البيادق. لذا، على المرء أن يكون يقظاً، وألّا ينجرّ إلى الخطاب المتطرّف، في هذه الحالة ضدّ اليهود.
هذه حرّية الرأي على طريقة X: التضييق على المستضعفين مقابل تكبير صوت أصحاب الامتياز!

