
في صالون منزله الكائن في منطقة سليم سلام في بيروت، استقبلنا الفنان الذي ارتبط اسمه بالأغنية الملتزمة وبذاكرة الحرب والقضية.
يعجّ المكان بكنوز من مسيرته: بيانو وغيتار، مكتبة تغصّ بالكتب، ورسومات لغيفارا وعلم الحزب الشيوعي... كلّها تذكّر بخياراته الفكرية والسياسية والإنسانية. على الرفوف صور عائلية كثيرة، منها واحدة تجمعه بزياد الرحباني، بينما الجدران تحتفظ ببوسترات قديمة وحديثة لحفلاته. وفي مكتبة صغيرة جانبية، يلفت النظر إطار يحمل آية قرآنية: «وإذا مرضت فهو يشفينِ». اللون الأحمر يلفّ المكان، وخلف خالد الهبر تزداد اللوحة المرسومة لزياد بريقاً (رسم أحمد السيّد)، كأنها خيط آخر في نسيج علاقة فنية وشخصية حُفرت في تاريخ الموسيقى اللبنانية
بين البيانو الملاصق للجدار وصور الحفلات القديمة، يستعيد خالد الهبر تجربته مع الأغنية الملتزمة. أغنيات وُلدت في زمن الحرب، وقوبلت بالرفض والاستغراب، لكنها مع الإصرار تحوّلت إلى صوتٍ حاضر يردّده جيل جديد بشغف.
منذ بداياته، ارتبط اسمه بهذا اللون الغنائي المختلف، الذي جمع بين الكلمة السياسية التي يحكيها الشعب واللحن الشعبي البسيط. يروي لـنا: «حين بدأنا الغناء السياسي على الغيتار، لم نلقَ ترحيباً. كانوا يعتبرون أنّ هذه الأغاني لا تشبه تراثنا. واجهنا محاربة فورية، لكننا صمدنا وأصررنا على المضي قدماً. ومع الوقت، وصلت هذه الموسيقى إلى أكبر عدد من الناس، وأصبحت في موقع متقدّم. «ما كان مرةً غريباً عن السمع، تحوّل اليوم إلى جزء راسخ من ذاكرة كثيرين».
بالنسبة إلى الهبر، تحمل الأغنية الملتزمة الموقف السياسي وتشكل في الوقت نفسه ذائقة موسيقية لدى الجمهور. يقول: «الموقف السياسي يجرّ إلى موقف ثقافي. يبدأ المستمع بحبّ صناعة الأغنية واللحن، والميلودي تهذّب السمع وتربّي الذائقة. والأغنية الملتزمة شاركت في تعزيز الثقافة الموسيقية لدى الناس».
هذا المسار انعكس على علاقة الجمهور بأعماله. في حفلاته، يلتقي بجيل جديد يتفاعل مع الأغاني بحماسة لافتة: «تفاجأنا أخيراً بوجوه شابة تغني معنا الأغنيات بشكل صحيح، كأنها كورس متمرّن». بالنسبة إليه، يؤكّد هذا الحضور أنّ الأغنية الملتزمة وجدت طريقها إلى أجيال لم تعش ظروف ولادتها الأولى.
رحلة بين الخشبة والذاكرة
ومن الحديث عن الجمهور، ينتقل الهبر إلى رهبة المسرح التي ترافقه منذ بداياته. يعلّق: «كل مرة أصعد فيها على المسرح، أشعر كأنّها المرة الأولى. من يشعر برهبة المسرح يتحمّل مسؤولية عمله جيداً ويتوقّع ردّ فعل الجمهور. حتى زياد كان يعيش هذه الرهبة، وكذلك معظم أصدقائي الموسيقيين».
لم تخل تجربته من انقطاع قاسٍ. بعد اتفاق الطائف وبداية التسعينيات، ابتعد سبع سنوات عن الغناء. يقول «كان لبنان يعيش كرنفال انتهاء الحرب، والناس لم يريدوا أن يتذكّروا تلك المرحلة. أغنياتي كانت تذكّر بالحرب، فتوقفت بين عامَي 1990 و1997، وكانت أصعب مرحلة أمرّ بها كفنان. خلال هذه المدة، عملت في مكتب استيراد وتصدير لأخي، أكتب الفاكسات بالإنكليزية والفرنسية. وعام 1997، عدت مع إحياء ذكرى استشهاد غيفارا، أنا وزياد ومن هناك استأنفت طريقي».
ظلّت القضية الفلسطينية والذاكرة اللبنانية ركيزة أساسية في أعماله الفنية
رغم الانقطاع، ظلّت القضية الفلسطينية والذاكرة اللبنانية ركيزتين أساسيتين في أعماله. من «كفرشوبا» إلى «كفركلا» و«سنزرع في الشياح مليون أقحوانة»، ارتبطت أغنياته بحقبة سياسية وموسيقية تاريخية كاملة في المنطقة. يقول: «أتمنى أن تكون أغنياتي مرتبطة بالذاكرة الجماعية اللبنانية والفلسطينية. فالقضيتان عاشتا معي منذ الصغر، ورافقاني في كل ما كتبت ولحّنت».
خالد وزياد: شراكة في الحياة والموسيقى
منذ اللقاء الأول عام 1975، حين دخل زياد إلى الإذاعة الوطنية في بيروت «الغربية» بعد خروجه من «الشرقية»، بدأت صداقة عميقة ربطته بخالد الهبر. في ذلك اليوم، سمع زياد أغنيات كان قد سجّلها الهبر في الإذاعة الوطنية مثل «جفرا» و«سنزرع في الشياح» و«حالة الاحتضار الطويلة» و«كفركلا»، فأُعجب بها بشدّة. يتذكّر خالد: «أمضينا النهار كله سويّاً، ومن تلك اللحظة بدأت صداقتنا».
ويشرح: «سافرت بعد يومين إلى فرنسا لمدة ثلاثة أشهر وبعد عودتي، وجدت زياد قد بدأ برنامجه «بعدنا طيبين قول الله» الذي أخذ ضجة كبيرة وقتها».
بعد مدة، سكن خالد مع زياد في منطقة القنطاري، وعملا معاً في حانة صغيرة في الحمرا في شارع الكومودور اسمها Pizza e Vino حيث كان زياد يعزف على البيانو وخالد على الغيتار. هناك قدّما أغنيات بالفرنسية والإنكليزية والبرازيلية، ومنها استوحى زياد أجواء مسرحية «بالنسبة لبكرا شو؟».
كانت الحانة مختبراً موسيقياً وإنسانياً. يروي الهبر: «كنا نحب الموسيقى البرازيلية، ونغنّي كل ليلة لمدة سبعة أشهر متواصلة. منذ اجتمعنا أنا وزياد، اجتمعنا على حبّ الأنماط الموسيقية نفسها، فكنا نحب داليدا وجيلبير بيكو وجورج موستاكي وجاك بريل وسيرجيو مينديز وأسترود جيلبيرتو وكارلوس جوبيم».
الحياة المشتركة اتسعت لتشمل الأصدقاء والرفاق، فمنزل زياد كان مفتوحاً دوماً. جوزيف حرب، جوزيف صقر وسامي حوّاط كانوا ضيوفاً دائمين. يقول الهبر: «في تلك الأيام كنا مولعين بنسائنا. زياد كان مغرماً بدلال وأنا كنت مغرماً بسوسن».
هذه العلاقات تحوّلت إلى محطات حاسمة: عام 1978، وقف خالد إشبيناً في زواج زياد ودلال، وبعد أشهر قليلة ردّ زياد الجميل، وكان إشبينه في زواجه المفاجئ من سوسن.
مدرسة موسيقية و«المحشاية» على التورن ديسك
لم يكتفِ الصديقان بالعزف والغناء. حاولا أن يؤسسا مدرسة موسيقية حقيقية، فاستعانا بأساتذة لتعليم البيانو والغيتار والفلوت والسكسوفون في المركز الثقافي البلغاري.
من بين هؤلاء كان إيلي حبيب، أستاذ البيانو الذي تحوّل إلى شخصية طريفة في ذاكرة الهبر. يقول ضاحكاً: «كان يشرب البيرة في مرطبان كبير، وأحياناً ينام في البيت عندنا. في إحدى الليالي عدنا ووجدنا على التورن ديسك «كوساية محشية»! صرخ زياد: ما هذا؟ فأجابه حبيب: أنتم تسمعون موسيقى؟ اسمعوا محشاية!». لكن المدرسة لم تصمد لقلة الإمكانات.
المسار الفني المشترك برز في تسجيلات خالد. يؤكد الهبر أن زياد كان حاضراً في 99 في المئة من أعماله: «كل عزف البيانو في أغنياتي هو من عزفه. كان يوزّع لي بعض الأغنيات المهمة مثل «أحمد الزعتر» و«مديح الظل العالي».
أما أغنية «صبحي الجيز» فلها حكاية خاصة. يروي الهبر: «بعد يومين فقط من معرفتي بزياد في الإذاعة اللبنانية، أسمعني الأغنية وسألني: هل تقبل أن تغنيها؟ فأجبته فوراً: طبعاً أقبل». سجّلاها معاً في الاستديو وحيدين لعدم وجود موسيقيين، حيث عزف زياد البيانو ثم الكونترباص رغم أنه لم يكن يجيد العزف عليه، فيما تولّى خالد الغيتار والدرامز والغناء.
ويضيف خالد: «وهذه الأغنية كتبت لمسرحية ألّفها زياد ولم يقدمها وكانت قصة المسرحية عن عازف بيانو يعمل في حانة، يتعرف إلى عامل نظافة شيوعي، فيُدخل هذا العامل عازف البيانو إلى الحزب الشيوعي ويصبحان أصدقاء، ويستشهد العامل. ففي هذه الأغنية وكأن عازف البيانو يرثي صديقه، وكان يُفترض أن تكون هذه الأغنية ختام المسرحية».
التأثيرات المشتركة جمعت بين الأغنية الفرنسية وتجربة الشيخ إمام وسيد درويش، وصولاً إلى الموسيقى البرازيلية. يقول خالد: «كنا نريد أن نجعل الكلام يشبه الناس. هذه كانت لغتنا المشتركة». وعن موقع زياد المختلف عن الرحابنة، يضيف: «عمل ثورة على ما قدّمه الرحابنة، لكنه تأثر بهم أيضاً. كانوا يساريين في فكرهم، ومسرحهم كان سياسياً، و«جبال الصوان» مثال واضح».
يرى الهبر أنّ زياد أعاد تشكيل صورة فيروز: «هو الذي قرّبها من الناس. كتب لها مجداً جديداً، وجعلها أكثر شعبية ومدنية». أما النقاش بينهما فكان دائماً حول حضور الكلمة في الأغنية: «زياد كان يريد موسيقى بلا كلام، وأنا أصرّ أن الجمهور العربي جمهور كلمة بالأساس. الكلمة هي التي توصّل الأغنية».
الغصّة المستمرة
حين وصل خبر وفاة زياد إلى خالد، بدا غير قادر على التصديق. يقول بصوت يملؤه الغصّة: «بعدني لهلأ مش مصدق. وأعلم أن زياد ينتبه جيداً لصحته، لم أعرف ما حصل معه أخيراً. وأخاف أن أسأل كي لا أُصدم. حين أخبرني ابني ريان أنّ زياد توفي، شعرت أن هاتين الكلمتين لا يمكن أن تكونا إلى جانب بعضهما». يتوقف لحظة، ثم يضيف ينبرة حزينة كأنّه يبكي في قلبه: «شو بقول؟ بقول إنو زلمة عظيم. عظيم بتواضعه وكرمه ووفائه وحبه للناس. يوحي أنه يكره الناس لكنه يحبهم. لا يمكن أن يتكرّر. قبله مرحلة وبعده مرحلة».
يرى الهبر أن المرحلة المقبلة ستشهد «سطواً» على مخزون زياد: «لن يبقى أحد من دون أن «ينتش» أغنية من هنا أو هناك». لذلك يعتبر أن ما قاله لنا يوم وداع زياد ما يزال صالحاً: «موسيقاه يجب أن تُدرّس».
أما عن صداقتهما، فيختم: «زياد أخذ وقتي كله. علاقتنا كانت عميقة وطويلة، ولقاءاتنا أسبوعية. كان يقول في مقابلاته: إذا أردتم أن تغنوا أغنية سياسية فغنوها كما يفعل خالد الهبر. هذا يعني لي الكثير». وعندما سألناه عن كلمة واحدة تختصر زياد، يكتفي بالقول: «صديق أصلي».
* حفلة خالد الهبر: اليوم - 8:30 مساءً - «كازينو لبنان» (جونيه). للاستعلام: 09/859888
خالد يفتح أرشيفه الليلة في «كازينو لبنان»
يطلّ خالد الهبر على جمهوره اليوم الجمعة على مسرح «كازينو لبنان» في أمسية تشكّل استعادة موسيقية لأكثر من خمسين عاماً من مسيرته الفنية.
يوضح الهبر لـنا أنّ الأمسية ستضمّ ريبيرتواراً يمتد من عام 1974 حتى اليوم، مع إعادة توزيع موسيقي جديد وضعه ابنه ريان الهبر الذي يقود الفرقة الموسيقية ويتولّى العزف على البيانو. يقول: «سنستعيد أغنيات قديمة لم تأخذ حقّها كما يجب على المسرح أو في التسجيل، مثل دموعك يا أمي»، و«ألّفت القصص».
وعن حضور اسم صديقه الموسيقي الراحل زياد الرحباني في حفلته كتحية، يكشف الهبر أنّه اعتاد أداء أغنية «صبحي الجيز» التي كتبها ولحّنها زياد، مضيفاً أنّ هذه المرة ستأخذ الأغنية نكهة خاصة مع الجمهور.
ويعلّق: «أعتبر أن أهم تحيّة لزياد هي أن يحترم الفنان عمله ويؤديه بأفضل طريقة، بعيداً من فكرة التحيات التي تحوّلت إلى صرعة. علاقتي بزياد تعني أن أقدّم عملي بشكل صادق يحترم الجمهور ويصل إلى المستمعين أكثر».
ويشارك في الأمسية إلى جانب ريان الهبر (بيانو، توزيع موسيقي، قيادة الفرقة) كل من سوزي أبو سمرا (كيبورد)، أسامة الخطيب (باص)، بافلو ورديني (درامز)، سلمان بعلبكي (رق)، مجدي زين الدين (طبلة)، نضال أبو سمرا (ساكسوفون)، إيلي نجيم (ترومبيت)، فرج حنا (بزق)، سام دبول (قانون)، زياد سحاب (عود)، إضافةً إلى إيلي سعد وفادي عيدمون (كورال).
بهذا الحفلة، يفتح خالد الهبر صفحات أرشيفه أمام جمهورٍ رافق أغنياته عبر العقود، ليحوّل السهرة إلى موعد مع الذاكرة، حيث تتجدّد الأغنية القديمة بروح جديدة وتستعيد معناها في حاضرٍ يزداد حاجةً إلى صوتها.







