عن رضيع ماتت ملامحه قبل أن يكبر
اسمي يوسف، ولدت في يوم عصيب، قبل أن أفتح عيني سمعت أنين أمي، تجاوز أنينها صوت صراخي بأضعاف، لم يكن بكاؤها خوفاً من القصف الذي اعتادته يومياً، ولا من هدير طائرات الاستطلاع، ولا من وحشة منتصف الليل بين خيام النازحين


اسمي يوسف، ولدت في يوم عصيب، قبل أن أفتح عيني سمعت أنين أمي، تجاوز أنينها صوت صراخي بأضعاف، لم يكن بكاؤها خوفاً من القصف الذي اعتادته يومياً، ولا من هدير طائرات الاستطلاع، ولا من وحشة منتصف الليل بين خيام النازحين، ولا حتى من لدغات عقارب شاطئ البحر السامة، بل على طفلها الوحيد، فرحتها الأولى، تخشى عليه من عدو متوحش لا يرحم جوع الأطفال... حين تصل الأم إلى مرحلة الخوف من المجهول، تتضاعف حدة اكتئابها ما بعد الولادة، يثقلها العجز وتتشتت بالحيرة... يكثر بكاؤها، وبدموع جافة تدعو في الفجر: إلهي، كيف أطعم رضيعي؟
في تلك الليلة، لم يكن هناك طعام كاف، لا ماء، ولا حليب، ولا بصيص أمل قريب. كان الأطفال يبكون يومياً من جوعهم القاهر، ثم ينامون من شدة التعب. كان الخبز حلماً، والحليب عملة نادرة.
كانت أمي تحتضنني بين ذراعيها، تخشى أن يجف الحليب في صدرها، ترتجف من شدة البكاء وصمتها الطويل، كان حضنها بارداً رغم حر الصيف. خرجت تبحث في الأسواق كثيراً عن علبة حليب صناعي، لم تجد، وإن وجدت ستكون باهظة الثمن، حتى ملعقة أرز أو ربع كيلو من الطحين تصنع منه بضع أرغفة لتسد جوعها بات مستحيلاً، وكان ثمن هذا الجوع أنني سأعيش بلا دفء وبلا حنان، جائع أشرب ماء غير صالح للشرب بدلاً من الحليب، وما تبقى من حليب أمي قد جف من قلة الطعام حتى فقدت قدرتها على مواصلة البحث خاصة مع توقف المساعدات وفقدان الأمل.
أربعون يوماً من الانتظار والرجاء، أربعون يوماً من البكاء والمقاومة، ثم مات قلب أمي...
غفوت في حضنها للمرة الأخيرة، جائع الروح، نحيف الجسد، حتى تبدلت ملامحي. لم أعد أشبه عيون أمي، ولا ابتسامة أبي، صرت رقماً يذكر في عناوين الأخبار، كحال أطفال غيري ماتوا مجوّعين، لم تنجدهن قساوة العالم.
اسمي يوسف، عشت أربعين يوماً وأنا أنازع، وما تزال أمي تبكي، لكن بصمت جديد، صمت الأمهات اللواتي فارقن قلوبهن إلى الأبد.
* لبنان
