من الحرب الأهلية إلى الأزمة الاقتصادية مروراً بانفجار المرفأ: سيريل عريس أضاع فيلمه في زواريب بيروت!


السينما ليست عملاً دقيقاً، ولا تحتاج إلى حبكة معقدة أو إبهار بصري خارق كي تلامسنا. يكفي أحياناً أن تكون رقيقة، صادقة، بسيطة، كي نشعر بأصالتها.
قصة حبّ في وطن يتهاوى
من هنا يبدأ فيلم «نجوم الأمل والألم» للمخرج اللبناني سيريل عريس، لكن الشريط رغم بساطة قصته، اختار أن يحمّل نفسه أكثر مما يحتمل، تحميل مفرط للبلد، للشخصيات، ولما يحدث لهما، حتى بدا كأنّه يتحامل على نفسه، ويرهق روحه.
الفيلم الذي يعرض ضمن مسابقة «أيام المؤلفين» (المعروف سابقاً باسم أيام البندقية)، في «مهرجان البندقية السينمائي» المقام حالياً بدورته الـ 82، يروي قصة حبّ وسط وطن يتهاوى، كان يمكن أن تكون مؤثرة، لكنه يتأرجح بين الرغبة في قول كلّ شيء، والخوف من قول أي شيء بوضوح.
«نجوم الأمل والألم»، أشبه برحلة قطار، لا يعرف إلى أين يتجه، لكنه يصرّ على التوقف عند كلّ محطة، بدءاً من الحرب الأهلية إلى انفجار مرفأ بيروت والأزمة الاقتصادية وهلمّ جرّا.
مسار درامي مُفرط في الرمزية
يبدأ الفيلم بولادة نينو (حسن عقيل) وياسمينة (منيه عقل)، بفارق دقيقة واحدة عن بعضهما في المستشفى نفسها خلال الحرب الأهلية في منتصف السبعينيات، وتحت دويّ الانفجارات.
منذ الطفولة، يُرسم لهما مسار درامي مُفرط في الرمزية. يفقد نينو والديه بسبب حادث سير نتيجة رصاصة طائشة، وتعيش ياسمينة انفصال والديها. تبدأ علاقة حبّهما في المدرسة الابتدائية، ليكتشفا أن الحزن هو أقوى رابط بين البشر، أو هكذا يريدنا الفيلم أن نصدق. علاقتهما وهما صغيران، لم تكتمل، فبدل الهروب في قطار سحري كما اتفقا، تنتقل ياسمينة للعيش مع والدتها أمية (جوليا قصّار)، وتترك نينو وحيداً في بيروت.
بعد أكثر من عشرين سنة، يلتقيان من جديد. نينو اليوم يدير مطعم والده مع جدّه أنطوان (كميل سلامة)، وصديقة الشيف شفيق (نيتو كرم) وليلى (نادين شلهوب)، زوجة الشيف. ياسمينة غير المتفائلة بالبلد، تقع في حبّ نينو ليس لأنه فعل شيئاً مميزاً، بل لأنه سعيد. نعم، وسط الانهيار الشامل، السعادة وحدها تكفي لتغيير مسار حياة. تتخلى عن الهجرة، وتقرر العيش معه. رغم أنّ صدمة طفولتها تجعلها مترددة بشأن الأمومة، لكن لا بأس، فالحب في هذا الفيلم يُعالج كلّ شيء ببساطة، حتى الصدمات النفسية.
بعد ثماني سنوات، تنهار بيروت، ونينو، الذي كان يُباع لنا كرمز للتفاؤل، يبدأ بالتشقق. يختلفان حول مستقبلهما ومستقبل ابنتهما، ليبدأ الفيلم بأخذ منحنى توعوي: هل نبقى ونبني؟ أم نهاجر وننجو؟ وبين هذا وذاك، لا يبقى شيء يُنقذ، لا في المدينة، ولا في الحبّ، ولا في الفيلم.
لا جدوى من الإنقاذ؟
بين نوايا صادقة وتفاصيل مربكة، لا يتعاطف عريس مع استسلام شخصياته، ولا يسعى إلى صناعة أحداث، بل إلى مراقبة مرور الوقت. خضع لتدفّق الحياة، وسمح لرحيل أيّ شيء بسهولة. ترك الشخصيات تتآكل تحت وطأة الزمن، من دون تدخل، ولا تفسير ولا بطولة. كأنّ الفيلم يقول لنا: لا جدوى من الإنقاذ، فالمأساة ليست حدثاً، بل حالة، والحبّ بكلّ سذاجته موجود. لذلك، لا تُهزم الشخصيات بفعل الأحداث، بل تُستهلك بفعل الأفكار التي تبتلعها، وتتركها معلّقة بين الواقع واللاجدوى.
«نجوم الأمل والألم» غير متماسك، بنغمات سردية مختلطة ومربكة
«نجوم الأمل والألم»، يتحدث عن الألم، لكنه لا يشعر به، يصرخ عن الأمل، لكنه لا يعرفه. يشبه النصف الأول من الفيلم تمريناً على الفوضى الصوتية: صراخ (الشخصيات لا تتحاور بل تصرخ على بعضها بالكلام)، موسيقى، انفجارات، أحداث متسارعة تتدافع، ثم فجأة، هدوء مصطنع، وعودة إلى الماضي، وإلى الحبّ البريء في المدرسة، فقط ليعود الصراخ من جديد.
ارتباك بين الحاضر والماضي
ينتقل الفيلم بين الماضي والحاضر بطريقة مربكة، محاولاً إقناعنا بالصدمات النفسية للشخصيات والحبّ العظيم بينها. لكن الحقيقة أنّ كلّ هذا الصخب، لم ينجح في إقناعنا بوجود علاقة حقيقية بين نينو وياسمينة. لم نشعر بالحبّ، لا في النظرات، ولا في الحوارات، ولا في اللحظات التي يُفترض أن تكون حميمية. بدت العلاقة كأنّها مكتوبة على ورق، لا نابضة على الشاشة، تشبه الرسائل التي تكتبها ياسمينة ولا ترسلها.
وسط كلّ هذا، غاب الإحساس وبقيت الشخصيات تتصرف كأنّها تؤدي واجباً درامياً، لا تعيش قصة حبّ في فيلم رومانسي. الكيمياء بين الشخصيات، مفقودة، والتفاعل آلي، كأنها فقدت تعابير وجهها. أما الحوارات، فهي أقرب إلى كلمات منطوقة، كأنّها تُقال من أجل أن تُقال، لا من أجل أن تُشعر أو تُفهم.
الشتائم بصفتها نكهة لبنانية
لإضافة طبقة أخرى من الضجيج الحواري، تُضاف «نكهة لبنانية» على الفيلم، عبر رشّ الشتائم في كلّ زاوية من الحوار، ناهيك بكلمة «حمار» التي تقولها ياسمينة لنينو طوال الوقت. في لبنان، الشتيمة ليست مجرد كلمة نابية، بل أداة تعبيرية تحمل وزناً اجتماعياً، سياقاً طبقياً وحتى نغمة موسيقية خاصة.
لكن في الفيلم، جاءت الشتائم كأنها ملصقات تُلصق على المشاهد، ولا تعكس طبيعة الشخصيات، والأسوأ، أنها لا تشبهنا، لا كيف نحكي ولا كيف نغضب ولا كيف نضحك وسط المأساة. ربما حان الوقت أن يدرك بعض المخرجين أن الواقعية لا تُقاس بعدد الشتائم، بل بصدقها، وأنّ بيروت ليست خلفية لصراخ مصطنع، بل مدينة تتكلم بلهجة لا يمكن تزويرها.
هناك محاولات كوميدية هنا وهناك، بعضها يُضحك فعلاً، لكنك لا تعرف لماذا: هل لأن الموقف فعلاً مضحك، أم لأن كل شيء حوله مختلّ إلى درجة أن الضحك يصبح رد فعل دفاعياً؟ يبدو الفيلم كأنّه لا يعرف إن كان يريد أن يكون درامياً، ساخراً، رومانسياً، أو وثائقياً في بعض الأماكن، فقرّر أن يكون كلّ شيء، وانتهى بلا شيء.
مشاهد وثائقية لانفجار المرفأ
وفي محاولة لإضفاء عمق سياسي واجتماعي على الفيلم، يُقحم المخرج مشاهد وثائقية عن انفجار مرفأ بيروت، والأزمة الاقتصادية، وطوابير المصارف، والسحوبات النقدية، لكن بدل أن تكون هذه المشاهد جزءاً عضوياً في السرد، جاءت كأنها فواصل. هذا الانفصال أنتج ارتباكاً سردياً. أضف إلى ذلك أنّ بعض المشاهد، خصوصاً في الجزء الثاني من الفيلم، وُضعت لإضفاء طبقة حزينة نفسية مثل وقوف ياسمينة في طابور الحصول على جواز السفر أو مشهد خوفها من جدار الصوت. المفارقة أنّ الفيلم يصرّ على عرض الكوارث بطريقة مباشرة وثائقية، لكنه لا يملك الجرأة فعلياً لربطها بالعمل. هو لا يعرف كيف يتعامل مع الحقيقة، فيكتفي باستعراضها.
رغم أنّ الفيلم يروي قصة حبّ وسط وطن يتداعى، إلا أنّ الشخصيات الثانوية التي كان يمكن أن تضفي عمقاً إنسانياً للسرد، تُركت مهملة. أم ياسمينة، جد نينو، صديقة شفيق وزوجته، جميعهم يظهرون كأطياف، رغم أنّ وجودهم الفعلي في القصة ليس هامشياً، فهم يتمتعون بتأثير وحضور، لكن لا أحد يهتم بمنحهم مساحة حقيقية. في سعيه إلى التركيز على نينو وياسمينة، قرّر المخرج أن يختصر العالم من حولهما إلى ديكور بشري.
اسكتشات متفرقة لا مشاهد مترابطة
من الواضح أن سيريل عريس بدا حذراً، وربما أكثر ممّا ينبغي، ما أظهر هشاشة القصة المروية، وفي بعض الأوقات سذاجتها.
«نجوم الأمل والألم»، غير متماسك، بنغمات سردية مختلطة ومربكة، ومونتاج إشكالي، كأنّ عريس أمضى الكثير من الوقت في التفكير بما يريد فعله، ثم فعله بطريقة غير فعالة. بدا المونتاج كأنّه سلسلة من الاسكتشات المتفرقة، لا مشاهد مترابطة. كلّ لقطة تُعرض كأنّها مشهد مستقل، ذو نغمة خاصة، وإيقاع خاص، وحتى مزاج خاص، من دون أي محاولة فعلية لخلق انسجام سردي.
هذا التفكك لا ينتج تنوعاً، بل إرباكاً، بحيث يفكك الفيلم نفسه بدل أن يُبنى. أراد سيريل بنيّة صادقة أن يقول الكثير عن الحبّ والوطن، لكنه قالها بطريقة مشتتة، فبقي عالقاً بين الرغبة في التعبير والعجز عن الوصول.
