
عاشت المحافظات السورية يوماً مليئاً بالرصاص العشوائي بعد إعلان نتائج «الشهادات المدرسية» للمرحلتين الإعدادية والثانوية، في طقس اعتاد عليه السوريون خلال سنوات الحرب. فالذخيرة متوافرة، والأفراح نادرة، والموت جزء من اليوميات: من لم يمت برصاصة «مدروسة» مات بأخرى «طائشة».
لكن صور المتفوقين، ممن كانوا ضحايا المجازر الأخيرة في الساحل السوري والسويداء على يد عناصر متفلّتة موالية للنظام السوري الجديد، تصدرت حسابات السوريين في منصات التواصل الاجتماعي، في مشهد يعكس تناقضاً حادّاً بين الفاجعة والفرح المؤجل. هذه الحكايات التي تبدو فردية تحمل وجهاً جمعياً لجيل كامل يُجبَر على الاحتفال بنجاحه تحت سقف الخوف والدم.
تالا الشوفي... عزف صامت بعد الرحيل
نشر «المرصد السوري لحقوق الإنسان» صورة الطالبة المتفوّقة والعازفة تالا حسام الشوفي، التي حقّقت علامة 309 من 310 في امتحانات المرحلة الإعدادية، بعدما أبهرت محيطها بموهبتها في العزف على الغيتار، حيث اعتادت مشاركة مقاطع مصوّرة لأدائها على فايسبوك. تالا، ابنة محافظة السويداء، كانت قد قضت في أعمال العنف التي اندلعت منتصف تموز (يوليو) الماضي في المحافظة الجنوبية، لتتحوّل إلى رمز لفقد موجع تداوله رفاقها والسوريون متحسرين على ضياع مستقبلها، فيعود اسمها مجدداً مع إعلان نتائج الشهادات المدرسية، في مفارقة أليمة لنجاح بلا صاحبته.
يارا كوسى... تفوّق رغم الفاجعة
في دمشق، حجزت الطالبة يارا معن كوسى، قريبة الكاتب الدرامي السوري رامي كوسى، مكانها بين المتفوّقين، محقّقة 238 من 240 في امتحانات الشهادة الثانوية. تفوّق يارا جاء رغم جرحٍ شخصي عميق، بعدما فقدت والدها في التفجيرات الإرهابية التي استهدفت المصلّين في كنيسة «مار إلياس» في حيّ الدويلعة في العاصمة السورية. وكتب الفنان سامي كوسى على حسابه على فايسبوك وهو شقيق رامي الأصغر مباركة جاء فيها «الله يرحم روح كل أب وأم ما كانوا حاضرين فرحة نجاح ولادهن وألف مبروك لكل شب وصبية عم يحاربو الصعب ليثبتو حالهن وليقولو نحن كمان من حقنا نعيش».
اللاذقية... الصدارة رغم الدم
من أصل 33 طالباً سورياً حقّقوا العلامة الكاملة في امتحانات الشهادة الثانوية، ينحدر 21 طالباً من الساحل السوري. تفوق جاء رغم مشاهد الرعب التي عاشتها المحافظات الساحلية منذ سقوط نظام بشار الأسد نهاية عام 2024، وقد شهدت مجازر دموية وعمليات خطف وحرائق واسعة في الأراضي الزراعية والغابات وبرز اسم الطالبة حلا محسن ضوا من اللاذقية، التي حقّقت تفوّقاً لافتاً، رغم أنها فقدت والدها وشقيقيها الصغيرين في مجازر آذار (مارس) الماضي.
يشي هذا المشهد المركب بحقيقة مؤلمة تعيشها سوريا منذ اندلاع الحرب: تفوّق أكاديمي يجاور يومياً صور الفقد والمجازر. مشهد يعكس صلابة جيلٍ وُلد ونشأ في بيئة موت يومي، لكنه يصرّ على التمسك بالمستقبل لمقاومة الانهيار. لكن، في المقابل، يطرح التفاعل الشعبي مع صور المتفوّقين ضحايا العنف سؤالاً عميقاً حول قيمة هذا التفوّق في بلد لا يبدو فيه «النظام الجديد» قادراً على ضبط انفلات السلاح أو إنهاء دوامة الفوضى الدموية التي تهدد مستقبل هؤلاء الناجين.

