
في بلدٍ يقف منذ سنوات على «شفير الهاوية»، وفي كل آونة تخرج تحذيرات من حرب أهلية محتملة بين الطوائف، تأتي لحظات توافق ووحدة بين هذه الطوائف، وتقف عند أجساد المواطنين.
مع ارتفاع حدة خطاب طائفي وصل حد القرف، اتحد «أبناء الصليب المقدس» مع الشيخ حسن مرعب لمنع هزة خصر ألكسندر بوليكيفيتش.
في خضم حرب إقليمية وارتفاع خطاب طائفي في لبنان، خفت نور «جنود الرب»، حتى باتوا شبه منسيين، ليظهروا مجدداً، لتهديد الفنان، لأنه يرقص.
في فيديو نشر على صفحة «أبناء الصليب المقدس»، خرج شاب غاضب في رسالة إلى نواب بيروت لمواجهة ما وصفه بـ«القرف» و«المخلة بالآداب»، معتبراً إياه «ترويجاً للشذوذ». والفضيحة، برأيه، أنها «تُمارس في بيروت، التي عرفها العالم لأنها خرجت كتّاباً وشعراء وفلاسفة ودكاترة»، والفضيحة أيضاً أنها تخرج اليوم «راقصاً». والأسوأ بالنسبة للشاب أن هذا الفن يُقدَّم أمام أعين القوى الأمنية والقضاء ورجال الدين المسيحيين والمسلمين. ورغم احتدام الخطاب الديني والتخوف من تفلت أمني، أكد على التوافق بين الطوائف على الأخلاق، إذ هزّ خصر بوليكيفيتش أمن البلاد، أكثر من سلاح أحزاب الطوائف.
يردد الخطاب الممل نفسه عن «الشواذ» و«مخالفة الطبيعة»، ويرتكز على مواد في القانون وضعها لنا المحتل، ليحدد هو لنا ما هو الطبيعي وما هو غير طبيعي. وعند التعمق بمواد القانون التي ارتكز عليها الشاب، يظهر أن المادة 315 تجرم «المؤامرة التي يقصد منها ارتكاب عمل أو أعمال إرهاب نتج عنه التخريب ولو جزئياً في بناية عامة أو مؤسسة صناعية أو سفينة أو منشآت أخرى أو التعطيل في سبل المخابرات والمواصلات والنقل»، والمادة 316 تجرم «من يقوم بتمويل الإرهاب أو الأعمال الإرهابية»، أما المادة 317 فتعاقب من يثير «النعرات الطائفية أو العنصرية والتحريض على النزاع بين الطوائف وعناصر الأمة المختلفة»، والمادة 523 تعاقب من «حض شخصاً أو أكثر على الفجور أو سهّله له أو ساعده»، والمادة 534 تعاقب «كل مجامعة على خلاف الطبيعة».
وكل ما يفعله بوليكيفيتش هو الوضوح، في الموقف في الحرب والسلم. لم يغمض عينيه أمام الإبادة في غزة ولا الحرب الإسرائيلية على لبنان، ولا استنفار الخطاب الطائفي. وفي مفهوم الفن التجاري، هذه المواقف مكلفة وترتد على صاحبها.
أما الشيخ حسن مرعب فاستغرب فكرة حفلة لراقص، وليس راقصة، في بيروت «مدينة الثقافة والعلم والحضارة وبوابة الشرق الأوسط ومنارة المنطقة وأهم مسارحها التاريخية العريقة». اعتبر الشيخ أن يرقص رجل هو أمر «مقرف» و«مستفز». وهذا بالنسبة له «قلة أخلاق وتقلّة تربية»، ويعتبر أن مشاهدة رجل يرقص تؤدي إلى التقيؤ.
في حملات كهذه يُستحضر خطاب الأخلاق العامة، ويتناسى المهاجمون أن هذه العروض تقام في أماكن مقفلة، وجمهورها مدرك جيداً طبيعة العروض التي تُقدَّم، ويذهبون بإرادتهم، ولا يُفرض على أحد الحضور بالقوة، على عكس حملات الترهيب والتحريض التي تُمارَس اليوم على بوليكيفيتش، ومورست سابقاً على فنانين، مع التحذير من أن الحفلة لراقص يرتدي بذلة رقص «يدمّر المجتمع». وبدوره استحضر مؤسسات الدولة والقوى الأمنية والمراجع الدينية، داعياً إلى عدم مرور هذا العمل في بيروت.
هذه الحملات التي تخرج بين الحين والآخر تحت ذرائع حماية المجتمع وتقاليده، تحارب كل ما تعتبره مختلفاً، حتى بات الاختلاف ممنوعاً، في حين أن الاختلاف هو ما يخلق التنوع والقدرة على الحوار والتلاقي أو حتى عدمه. أما الدعوة إلى منع وملاحقة كل ما لا يرضي المؤسسات الدينية والسياسية، فهي استمرار في قتل المجتمع وحيويته، ومنع أي إمكانية لخلق ما هو جديد، أو تطوير الموجود.
يقول الشاعر والمسرحي اللبناني الراحل عصام محفوظ: «ليست خصوصيتك هي التي تحميك، ولا حدودك ولا قوميتك ولا حياتك، فأنت، ابن العصر، متورط، شئت أم أبيت، وإلى أي بيئة انتميت. ما سيشفع بك، كونك تنتمي إلى العائلة الإنسانية الواحدة، هو مقدار ما تتعلم لغة العصر، وما تحاول أن تساهم، عبر هذه اللغة الواحدة، في صنع المستقبل الإنساني الواحد».
أن يرقص رجل، أي أن يطلق العنان لجسده، ليكتشف ما يمكن لجسده أن يقوم به، أن يعبر عن فرحه وحزنه وغضبه وحتى استسلامه، دون خجل أو جمود الجسد الذي حُبس داخله الرجال. فقد ورث الذكور ثقل أعراف ومفاهيم تمنع عنهم الأحاسيس والتعبير عنها، ما انعكس ثقلاً على جسد بات يجهل البكاء أو التعبير عن الألم أو الفرح أو الاستسلام، وحكماً لا يصل إلى حرية الرقص. تحوّل الجسد الذكوري إلى قفص صلب عاجز عن البوح. لذلك يبدو الرقص مهدِّداً: لأنه يفتح الباب أمام حرية الجسد، والجسد الحرّ يعني إنساناً حراً.
يعتبر الداعون لمنع حفلة بوليكيفيتش أن فكرة رقص رجل هي خلاف للطبيعة، وهذه ليست هوية لبنان الثقافي. وحكماً، لا جدوى من نقاش تعريفات ما هو طبيعي وما هو غير طبيعي، فهذا صراخ بين جبلين. فلا وجود لشيء اسمه «خلاف الطبيعة» في علم الأحياء، ما دام الجسد قادراً على القيام به. فكلمة «الطبيعة» هنا مجرد أداة خطابية لإضفاء شرعية على الرفض.
الجدل حول جسد يرقص، هو في جوهره جدل حول حرية الفرد في مجتمع مأزوم، يتوارى خلف خطاب الطوائف والأخلاق العامة. وعوضاً من أن تكون بيروت مساحة للتجدد والإبداع، تتحول إلى ساحة مطاردة لما هو مختلف. وحين يصبح الرقص تهديداً «لأمن البلاد»، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في جسد يهتز، بل في العقل الجمعي الذي يخشى كل اهتزاز يفتح أفقاً جديداً للحرية.
__
• عرض الكسندر بوليكيفيتش: س:23:00 مساء 11 أيلول (سبتمبر) ــ «مترو المدينة» (كليمنصو)

