«شو بتفرق؟!»: العائلات اللبنانية «تنزح» إلى الخشبة
تؤكّدُ مسرحية «شو بتفرق؟!» (كتابة وإخراج عصام بو خالد، وإنتاج استديو «سيناريو») أن المسرح، حين يُخلص لرسالته، قادر على إعادة صياغة الواقع وترك أثر عميق.


تؤكّدُ مسرحية «شو بتفرق؟!» (كتابة وإخراج عصام بو خالد، وإنتاج استديو «سيناريو») أن المسرح، حين يُخلص لرسالته، قادر على إعادة صياغة الواقع وترك أثر عميق.
منذ المشهد الأول، يتضح لنا أن المسرحيّة تتجاوز كونها مجرد تجربة للهواة أو خريجي ورشة تدريب، بل هي تمرين متقن في بناء لغة فنية تمتلك عمقها السياسي والاجتماعي. يكمن سرّ هذا النجاح في رؤية المخرج عصام بو خالد، الذي يملك أدوات الخطاب المسرحي.
فهو يعرف كيف يصنع من طاقات غير محترفة حضوراً مسرحياً حقيقياً وناضجاً، خالياً من الافتعال، يرفع الخطاب السياسي والاجتماعي إلى مرتبة الفنّ، من دون الوقوع في فخ المباشرة والـ «توك شو». لا يكتفي عصام بقول الأشياء، بل يعرف كيف يوظّفها في سياقاتٍ جمالية وشعرية وسرديّة، محافظاً في الوقت نفسه على الصدق والواقعية. لعلّ هذا النهج الخبير والمتواضع في آن، أتاح للممثلين التحرك بخفّة على الخشبة، من دون عبء أو تصنّع، ليقدّموا لنا شخصيّات لبنانيّة مختلفة، مزاجاً، وطبقة، وانتماءً.
شخصيات العرض انعكاس دقيق لشرائح اجتماعيّة حقيقيّة
تتناول المسرحية نزوح العائلات اللبنانية في الحرب الأخيرة، واستقرارها في صف دراسي في مدرسة رسمية. ومن هنا، حملت السينوغرافيا، رغم بساطتها، عمقاً رمزياً كبيراً.
فوضع المقاعد الدراسيّة في موازاة الجمهور خلق شعوراً فريداً بالتماهي، كأنّنا أمام مرآة تعكس واقعنا المشوّش. هذه الجرأة في التكوين غير التقليدي لم تكن مجرّد لمسة جماليّة، بل عزّزت شعور التورّط الوجداني، ووضعت الجمهور على تماس مباشر مع الشخصيات.
تتجسّد هذه الرمزية في شخصيّات العرض، التي لم تكن كاريكاتوريّة، بل انعكاس دقيق لشرائح اجتماعيّة حقيقيّة. هناك الفتاة المرتبطة بأرجيلتها، والتيك توكر التي لا ترى العالم إلّا عبر هاتفها، واللاجئ السوري الذي نزح مرّتين، والخطيب الأجوف الذي يفوز بالتصويت فقط لأنه رجل.
كشفت هذه التفاصيل الصغيرة بحرفيّة عن هشاشة البنى الاجتماعيّة، وسطوة الذكوريّة، وتفاهة بعض الانشغالات في زمن الكارثة. أما النص، فرغم ارتكازه على قضايا مألوفة، إلّا أن طريقة حبكه الذكيّة ومعالجته غير المكرورة، منَحتاه طَزَاجة وصدقاً، جعلا المتلقّي يكتشف القضايا من جديد.
«شو بتفرق؟!» مسرحيّة تتعدّى المتعة الفنيّة لتقدّم قيمة تربوية وإنسانيّة. فهي لا تُلقّن، بل تُثير الأسئلة، وتحثّ على التفكير النقدي، وتُعيد الإنسان إلى موقعه داخل المعادلة، لا على هامشها. وهذا ما يجعلها أيضاً، تصلح للعرض في المدارس والجامعات. في هذه التجربة تذكير بأن التدريب المسرحي، حين يُقترن بالجدّية والحسّ الجمالي الصادق، يمكن أن يصنع معجزة.
فقد وُلدت هذه المسرحية نتيجة عام كامل من العمل الشاق لفريق من الشباب اللبنانيين، استمروا في العمل عليها رغم تحديات الحرب، ليخرج في النهاية عمل فني يجسّد تجربتهم الحية في ظل هذه الظروف.
أخيراً، يمكن القول إن المسرح اللبناني محظوظ بمخرج وكاتب مثل عصام بو خالد، لأنه لا يكتفي بنقل القضايا، بل يحوّلها إلى تجربة فنية حقيقية، عميقة وصادقة، تجسّد الفرق بين الخطاب السياسي المسرحي الذي يقدّم شعارات، والخطاب المسرحي السياسي الذي يقدّم فناً حقيقياً.
* مسرحية «شو بتفرق؟!»:
* 6 أيلول ــ مركز «سوا للتنمية والإغاثة» (س:18:00 ـــ برّ الياس، البقاع الأوسط) ــ للاستعلام: 01739243
* 9 و10 أيلول ــ مسرح «دوار الشمس» ــ للاستعلام: 70035223
