«صوت هند رجب» أبكى البندقية!
في اللحظة التي انتهى فيها عرض فيلم «صوت هند رجب»، تلاشت كلّ فكرة عقلانية، وكلّ تفكير ونزعة نقدية. انفجرت قاعات «دارسينا» و«الغراندي» في البندقية بتصفيق طويل صادق متصاعد، كأنما تحررت المشاعر دفعةً واحدة، بعد احتباس دام تسعين دقيقة.


في اللحظة التي انتهى فيها عرض فيلم «صوت هند رجب»، تلاشت كلّ فكرة عقلانية، وكلّ تفكير ونزعة نقدية. انفجرت قاعات «دارسينا» و«الغراندي» في البندقية بتصفيق طويل صادق متصاعد، كأنما تحررت المشاعر دفعةً واحدة، بعد احتباس دام تسعين دقيقة.
خلال العرض أمس، لم يخترق ظلام القاعة أي تثاؤب ولا تعليق، حتى البكاء ظل خافتاً، كما لو أنّ الهواء نفسه أصبح ثقيلاً، خانقاً. ثم جاءت الدموع والتصفيق الذي بدا بلا نهاية. لم يكن هذا مجرد انفعال عابر، بل لحظة غارقة في عمق الشعور الإنساني، في الحيرة، في العجز، وفي الإحساس الملّح بالمسؤولية.
أمام صوت طفلة صغيرة تطلب العون، أدركنا جميعاً أننا لم نشاهد فيلماً فحسب، بل منذ تلك اللحظة، لم يعد بإمكاننا أن نغضّ الطرف، أو نختبئ خلف الحياد، ونبدأ بمحاسبة أنفسنا على صمت طال أكثر مما ينبغي.
لم يعد الأمر مسألة مشاهدة، بل مسألة إدراك. سلّمنا أنفسنا للفنّ والسينما لا كترف جمالي، بل كنداء إنساني، كبحث عن حلّ لمأساة مستمرة يواجهها الفلسطينيون في غزة وسط صمت العالم وتواطئه.
كلّ شيء يبدأ بـ «صوت هند رجب»، الطفلة الفلسطينية ذات السنوات الستّ، التي ظلّت محاصرةً داخل سيارة تعرّضت لإطلاق نار أثناء فرار عائلتها من القصف في غزةّ في 29 كانون الثاني (يناير) 2024، ما أسفر عن مقتل عمّها وعمّتها وثلاثة من أبناء عمومها.
الناجية الوحيدة آنذاك، ظلّت تتواصل مع الهلال الأحمر الفلسطيني عبر الهاتف طلباً للنجدة. تتعقّب المخرجة التونسية كوثر بن هنية تلك اللحظات في فيلم يتجاوز حدود الأفلام الوثائقية والروائية، مازجاً بين النوعين، ومستخدماً صوت الطفلة هند الأصلي.
وفي بعض الحالات، يستخدم صوراً ولقطات حقيقية ليروي لنا ما حدث في ذلك اليوم. نعيش مع طاقم المسعفين في مركز الهلال الأحمر الفلسطيني الذي تلقّى المكالمة، وهو يبعد 83 كيلومتراً عن غزة. لا نغادر جدران المركز، ونرى المتطوعين وإحباطهم وغضبهم (يلعب دورهم الممثلون سجى كيلاني ومعتز ملحّيس وكلارا خوري وعامر حليحل).
-
فريق الفيلم في المهرجان
ستبدأ محنة طويلة، نظراً إلى ضرورة الحصول على الضوء الأخضر من «الجيش» الإسرائيلي لإنقاذ الطفلة. الخيط الوحيد الذي يربط هند بمنقذيها، المحاصرين بالبيروقراطية والاحتلال، مع جدار مليء بزملاء قُتلوا على يد الإسرائيليين أثناء تأدية واجبهم، هو خطّ الهاتف.
إرسال سيارة إسعاف مسألة كافكاوية: السيارة تحتاج 8 دقائق للوصول إليها، لكن بين التصاريح والموافقات والإشارات الضوئية الخضراء التي لم تصل، أصبحت الدقائق ساعات. يُترجم الفيلم ذلك الانتظار المُرهق إلى خريطة رقمية. مسار يُفترض أن يُشير إلى طريق الخلاص، لكنه بدلاً من ذلك يُصبح رسماً لرحلة أخيرة.
خطّ يومض وينكسر، كقلب يتوقف عن النبض، وفي الأخير تبقى الأرقام: 355 رصاصة أصابت سيارة هند، وقصفت سيارة الاسعاف التي كان يُفترض أن تُقدّم المساعدة.
«صوت هند رجب»، عمل صارخ، غاضب، مؤلم، يجمع بين الشهادة الحقيقية وإعادة البناء، ويمنح السينما ــــ كشكل تعبيري ووسيلة قادرة على التساؤل والصدمة ــــ القدرة على سرد وبناء وتصوير قصة معروفة، والأهم من ذلك، مسموعة، بما أنّ التسجيل الصوتي لهند متاح على الانترنت منذ فترة طويلة. تشكّل طبيعة التواصل جوهر القصة: صوت هند حاضر ومسموع. صوت حقيقي يسمعه الممثلون للمرة الأولى أثناء التصوير. هذا الاختيار يُعطي الصوت وظيفةً مركزيةً، سردية وشكلية.
صور وصوت ومشاعر، ممتدة ومكوّمة على مدار ساعة ونصف الساعة. وبينما يعيد الفيلم بناء الواقع، يتساءل بعمق عن طريقتنا في رؤية الواقع وسرده وتصويره.
يتحرك الفيلم في فضاء سردي حدودي، حيث ما يُعرض على الشاشة أخف وطأةً مما يبقى مخفياً. ما هو غير مرئي، وغير قابل للوصف، يصبح البطل الحقيقي. تحبُسنا هنية في تلك الغرف، حيث لا يُمكن الوصول إلى العالم الخارجي إلا عبر الهاتف، مُنشئة عالماً خانقاً. كل ما نحتاج لمعرفته مُستقى من الوجوه والعيون والدموع التي تحفر تدريجاً ألماً أعمق داخل المُشاهد، مُجبرةً إياه على تسلّق هرم من الألم والعجز والغضب والإحباط.
لا يتخذ فيلم من الرعب مظهراً، ولا يصوّر الموت كحدث استعراضي. بل يختار طريقاً أكثر قسوةً... الانتظار. ذلك الانتظار الذي لا نهاية له، المُنهك، الذي يعلو في شدّته حتى يكاد يصم الآذان. هنا، الصوت هو البطل الحقيقي، أنفاس الطفلة، رنين الهاتف، الأصوات المتقطعة على الطرف الآخر من الخطّ، ولكن قبل أي شيء، الصمت. صمت لا يُواسي، لا يمنح راحةً، بل يملأ الشاشة بغيابه الثقيل. الصورة المباشرة تُستبعد عمداً، لتفسح المجال للفراغ والغياب كي يحتلا الشاشة.
View this post on Instagram
هذا الخيار لا يُضعف السرد، بل يُثريه، فغياب الصورة يُحوّل الغياب إلى حضور، ويمنح ما لم يُقل جوهراً، ويُضفي على ما لا يُرى وزناً عاطفياً مضاعفاً.
نسجت كوثر بن هنية خيوطاً دقيقة بين الحقيقي والمتخيل، من دون أن تسعى إلى محاكاة أو توضيح. إعادة بناء الواقع هنا هي دعوة للتأمل في علاقتنا بالحقيقة نفسها. أين تنتهي الوثيقة؟ وأين يبدأ الخيال؟
صوت فتاة صغيرة، يتجاوز السينما، بينما يتجاوز «صوت هند رجب» سياقه السينمائي، ليصبح نوعاً من الاستجابة للعجز، ويحمّلنا عبئاً يتطلّب الانتباه، ومسؤولية لا يمكن تجنّبها. كلمة «ضروري» كثيراً ما تُستخدم في وصف الأفلام، حتى باتت مبتذلةً، وفارغةً من معناها الحقيقي.
لكن في حالة «صوت هند رجب»، تستعيد الكلمة قوتها، وتُقال بكل صدق: هذا الفيلم ضروري، لا مجازاً ولا مجاملةً، بل ضرورة وجودية وفنيّة وأخلاقية.
هو من تلك الأفلام التي تهيمن على مهرجان، وتجسّد حقبةً زمنية، ولحظةً تاريخيةً. تقدّم لنا كوثر بن هنية فيلمها الأروع، بيان «مهرجان البندقية» في دورته الثانية والسبعين، بغض النظر عمن سيفوز بجائزة «الأسد الذهبي».
يعيد فيلم «صوت هند رجب» ترتيب العالم من حوله. يُعيد الكلّ إلى مكانه، مشاهدين، ونقّاداً، وصحافيين، وعاملين في السينما، وحتى من يظن أنه بعيد عن المأساة.
صوت هند، في حضوره لا يترك مجالاً للحياد، وكوثر بن هنية، تضع صورة الطفلة في مكانها، تلك الصورة التي يلصقها المتطوّعون في مركز الهلال الأحمر على حيطان المركز، ليبقى وجه هند رجب أينما التفتنا، داخل الفيلم وخارجه، نيابةً عن أكثر من خمسين ألف شخص آخر!
