
لم يقتصر المشهد الجامعي في سوريا هذا الأسبوع على احتجاجات طلاب إدلب وحلب ضد قرار دمج جامعاتهم وتأثيره على فرصهم الأكاديمية، بل تداخل مع صورة مغايرة تماماً: رئيس البلاد المؤقت أحمد الشرع يكرم دفعة «النصر والتحرير» من خريجي كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة إدلب، وبينهم زوجته لطيفة دروبي.
السيدة الأولى بالصوت والصورة
للمرة الأولى، يسمع صوت «السيدة الأولى» في مناسبة عامة، وهي تلقي كلمة الخريجين قبل أن تصعد مع زوجها إلى منصة التكريم لالتقاط صور تذكارية صارت تريند السوريين في منصات التواصل الاجتماعي، وأثارت اهتمام عدد كبير من وسائل الإعلام العربية، إضافة إلى انتشار صورة أخرى لها وهي تحتضن طفلاً قيل إنه نجل الرئيس. وتثير ظهورات دروبي اهتماماً واسعاً بسبب دلالاته في سياق تشكيل صورة السلطة الجديدة.
"نحن نستحق الحياة ونستحق الفرح".. كلمة السيدة لطيفة دروبي عقيلة السيد الرئيس أحمد الشرع خلال حفل تخرج طلاب كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة إدلب#الإخبارية_السورية pic.twitter.com/CzjnpPdwQp
— الإخبارية السورية (@AlekhbariahSY) September 7, 2025
من أنيسة إلى أسماء..
لم تعرف سوريا لقب السيدة الأولى إلا في السبعينات، وكان يشار سابقاً لصاحبات هذا اللقب بزوجات الرئيس فقط. وظهور لطيفة الشرع اليوم لا يمكن فصله عن الإرث الطويل لزوجات الرؤساء في سوريا. فأنيسة مخلوف، والدة بشار الأسد، اكتفت بموقعها العائلي المغلق، بعيدة عن الحياة العامة والإعلام، على رغم حضورها الكثيف في الكواليس السياسية والعائلية وتقارير دولية، ولا تتوفر أي معلومات حول تحصيلها العلمي.
أما أسماء الأسد فقدّمت نفسها، منذ مطلع الألفية، كواجهة «حديثة» للنظام، متعلمة في أوروبا، وتملك خبرة عملية في مجال القطاع المصرفي، تهتم بالظهور الإعلامي والأناقة إلى درجة إيحاء بعض وسائل الإعلام بوجود منافسة بينها وبين الملكة رانيا زوجة ملك الأردن، وحصلت ألقاب متعدد خلال حكم زوجها أشهرها «سيدة الياسمين». إلا أنها سرعان ما كشفت عن صفات أخرى بعد تنقلها بعد هيمنتها على بعض القطاعات الاقتصادية والتنموية في البلاد.
.. والآن لطيفة
في المقابل، تأتي لطيفة دروبي لتكسر هذا النمط. فهي أول سيدة محجبة تصل إلى موقع «السيدة الأولى»، وتأتي من خلفية أكاديمية داخلية لا من الخارج الغربي. ظهورها لإلقاء خطاب على منصة جامعية، لا في قصر الرئاسة، يكرّس هذا الفارق ويمنحه معنى يتجاوز الأكاديمي إلى الاجتماعي والسياسي، محاولة الاستثمار في الشعار الذي أطلقه مؤيدو السلطة الجديدة «لطيفة بتشبهنا» في إشارة إلى أنها أكثر طبيعية وتواضعاً من أسماء التي تنحدر من نفس المحافظة، خصوصاً أنّ لطيفة تتخرج من جامعة تأسست خلال الحرب في مناطق سيطرة تنظيم «هيئة تحرير الشام» التي كان يقودها زوجها أي أنها تشبه العديد من العائلات التي عاشت النزوح والخطر وقلة الفرص.
ما بين القصر والجامعة، ومن خلال صورة امرأة محجبة تُقدّم بوصفها «السيدة الأولى»، تقف سوريا الجديدة أمام مشهد يعيد توزيع الأدوار داخل السلطة، ويسعى إلى إعادة بناء سردية عن الهوية الوطنية نفسها: سوريا التي خرجت من حرب طويلة، تدخل اليوم مرحلة تُزاوج بين الدين والسياسة، بين الأسرة والسلطة، وبين ما هو شخصي وما هو عام.

