
قبل إعلان وفاة الناشط الأميركي تشارلي كيرك، اجتاح خبر توقيف قاتله «المسنّ اليساري المناصر لفلسطين». ورغم الكشف عن براءة المتّهم، إلا أنّ المسار السياسي للتصريحات الرسمية تركّز على تحديد الهويّة السياسية للجاني، مهما كان اسمه أو جنسيّته. مقابل هذه الاتهامات السياسية، بدأ ناشطو السوشال ميديا يطرحون أسئلة من خارج الصندوق الإعلامي الرسمي، تُراجع مواقف كيرك خلال الآونة الأخيرة حول إسرائيل، ونفوذها في الولايات المتحدة، بل حتّى تساءل الناشط السياسي، بالصوت والصورة، حول إعطاء رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أمراً للقوات الإسرائيلية بالانسحاب يوم 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023 وعدم القتال، من أجل الذهاب إلى حرب «التطهير العرقي» الواسعة على قطاع غزة، هرباً من مشاكل الداخل الإسرائيلي المتفاقمة.
لم تمرّ دقائق قليلة على عملية الاغتيال التي هزّت الولايات المتحدة، حتّى خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بمنشور على وسائل التواصل الاجتماعي يرثي فيه بطريقة شعرية صديق كيانه، تشارلي كيرك، واصفاً إيّاه بـ«القلب الأسد».
وحمل منشور نتنياهو، الذي يتباهى بممارسته الخداع السياسي كأسلوب عمل، الكثير من الغزل والمديح بمسيرة المؤثّر اليميني الأميركي التي «تمثّل القيم اليهودية - المسيحية التي توحّد إسرائيل وأميركا».
وتواصل تطبيل اليمين الصهيوني لاستغلال كل قطرة من دماء الشاب الأميركي، من دون أي أرضية جنائية تسمح بصوغ اتهامات حتّى هذه اللحظة. وبينما حافظ نتنياهو على الأدب السياسي في خطابه الشعبوي، إلى حدّ ما، أتى وزير الأمن القومي الإسرائيلي، إيتمار بن غفير، لاستكمال الاستغلال السياسي بشكل كامل، معتبراً أنّ «التواطؤ بين اليسار العالمي والإسلام المتطرّف هو أكبر خطر يُهدّد البشرية».
لم تأت تصريحات قادة العدو من عبث، فكيرك نفسه أكّد مراراً وتكراراً وقوفه إلى جانب إسرائيل. كما له تاريخ كبير بالنشاط السياسي المحافظ، إذ شارك في عام 2012، عندما كان عمره 18 عاماً، في تأسيس المنظمة المحافظة المؤثّرة Turning Point USA. بالإضافة إلى ذلك، كان يعدّ الناشط الأميركي من الأصوات البارزة في حركة MAGA الشعبوية وحليفاً رئيسياً للرئيس دونالد ترامب. إلى جانب ذلك، قدّم برنامج The Charlie Kirk Show الإذاعي الحواري الشهير، كما ألّف عدة كتب تركّز على المبادئ المحافظة والقضايا الثقافية والسياسية. لكنّ الذي سلّط الأضواء على كيرك، هو مواقفه المثيرة للجدل ضد مراقبة الأسلحة والحدّية تجاه الأقليّات ومعارضة الحريّات الشخصية، خصوصاً حقّ الإجهاض، بالتزامن مع الترويج للقومية المسيحية ورأسمالية السوق الحرّة.
Charlie Kirk was starting to ask critical questions about Israel.
— Dr. Anastasia Maria Loupis (@DrLoupis__) September 11, 2025
pic.twitter.com/llzFPO2r69
ورغم الصورة الراسخة عن كيرك كـ «حليف صلب لإسرائيل»، فإن سجله الخطابي حمل في طيّاته لحظات بارزة اتخذ فيها مواقف انتقادية تجاه سياسات إسرائيل أو تجاه نفوذ منظمات وشخصيات يهودية في الولايات المتحدة. فقد رفض في أكثر من مناسبة مشاريع قوانين تهدف إلى تجريم حركة مقاطعة إسرائيل (BDS)، بحجّة أنّ هذا النوع من التشريعات «يزيد من مناخ العداء لليهود ويؤكّد السرديات عن السيطرة الإسرائيلية على القرار الأميركي». وفي ذروة الحرب على غزة أواخر عام 2023، وجّه انتقادات حادّة للمانحين اليهود في الجامعات الأميركية، قائلاً إنّهم «يموّلون مؤسسات تخرّج أعداءً لإسرائيل أنفسهم»، بل وصل إلى القول إنّ الثقافة اليهودية النخبوية هي التي «تغذّي المدارس التي تفرز كراهية لليهود». كما صرّح في إحدى حلقاته بأنّ «اليهود يسيطرون على الجامعات والمنظمات غير الربحية وهوليوود»، في تكرار مباشر لنظريات سيطرة معروفة. كذلك اعتبر أنّ «المحرّك الأوّل لسياسات الحدود المفتوحة والأفكار النيوليبرالية المدمّرة هو التمويل القادم من متبرعين يهود»، رابطاً ذلك بما أسماه «الماركسية الثقافية». وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 2023، ذهب أبعد من ذلك حين اتّهم بعض الجماعات اليهودية بدفع خطاب «معاداة البيض»، مضيفاً أنّ الأسس الفلسفية لهذه النزعة «مموّلة إلى حدّ كبير من متبرعين يهود». أخيراً، حذّر من أنّ تهمة «معاداة السامية» باتت تُستخدم كأداة لتكميم الأفواه ومنع النقاش الحر حول إسرائيل، معتبراً أنّ هذا المسار «سيؤدي إلى نتائج عكسية».
لكنّ إلى جانب هذه المواقف، يتداول ناشطو السوشال ميديا بكثرة، مقطعاً من بودكاست أجراه كيرك مع الناشط اليميني الشهير، باتريك بيت ديفيد، في 12 تشرين الأول (أكتوبر) 2023، أي بعد خمسة أيّام من عملية «طوفان الأقصى». يدلي كيرك خلال المقابلة مواقف مثيرة للجدل، باعتباره يتموضع على ضفّة تل أبيب السياسية، إذ اعتبر الرجل أنّ أسئلة كبيرة يجب أن تسأل عمّا حدث في 7 تشرين الأول (أكتوبر)، طارحاً سؤالاً مباشراً على نتنياهو في أنّه هل كان يعلم أنّ الطوفان كان سيحدث وتركه يحدث عن قصد؟ كما شدّد كيرك على أنّ غياب سلاح الجو خلال الساعات الستّ الأولى يفرض أسئلة جوهرية لا يمكن تصنيفها تحت خانة «نظريات المؤامرة»، معلّلاً أنّه بنفسه ذهب برحلة عبر مروحية من مدينة القدس إلى حدود قطاع غزة، لم تطلّب أكثر من 45 دقيقة من الوقف، إلى جانب اعتباره حدود إسرائيل برمّتها كـ«قلعة» عسكرية لا يمكن اختراقها مع وجود أنظمة مراقبة شاملة تراقب كل تحرّك. بالنسبة لكيرك، الجواب حول ما حدث يرتبط بالواقع السياسي الداخلي في إسرائيل، التي اعتبرها كانت على أعتاب الحرب الأهلية خلال الأشهر الخمس قبيل العملية، بسبب محاولة نتنياهو تغيير النظام القضائي في الكيان لمصلحته. وبينما نعى رئيس الوزراء الإسرائيلي كيرك، كصديق، كان الأخير قد وجّه سؤالاً صريحاً لنتنياهو: هل أمرت القوات الإسرائيلية بالانسحاب وعدم القتال يوم الطوفان؟ معتبراً أنّ الحرب سمحت له بالهرب من الاستحقاقات الداخلية والذهاب إلى غزة «لمحوها عرقياً»، بحسب توصيف كيرك حينها.
Charlie Kirk appeared to suggest that October 7 could have been an inside job pic.twitter.com/XMohagrg88
— HatsOff (@HatsOffff) September 11, 2025
الجدير بالذكر أنّ الناشط الأميركي كان يعلن عن حذره وتخوّفه عند الإدلاء بتصاريح يمكن أن تفسّر انتقاداً للصهيونية، كما أنّه حذّر الرئيس الأميركي من دخول الولايات المتحدة الحرب على إيران إلى جانب إسرائيل ، معتبراً أنّ القاعدة الجماهيرية لـ MAGA ترفض أي انخراط في هذه الحرب.
لا يمكن الجدال في مسيرة تشارلي كيرك السياسية، كناشط يميني أميركي معادي للحقوق الشخصية وداعم سياسي لإسرائيل. لكنّ مقابل الاستغلال الإسرائيلي لعملية الإغتيال، ومحاولات إلصاقها بالحركات اليسارية بشكل علني منذ اللحظة الأولى عبر اعتقال «مسنّ أميركي يساري مناصر لفلسطين»، تبرز نظريات تُطرح بكثرة على السوشال ميديا وتلاقي رواجاً، هل إسرائيل بريئة من دماء كيرك؟ هل يُصعب عليها عمليات مشابهة وهي من أمعن باغتيال مئات القادة والناشطين والإعلاميين في دول عدة، خصوصاً خلال الأشهر الأخيرة؟ مهما كانت النتائج الرسمية للتحقيقات، إلا أنّها لا تُغيّر الحقيقة الموثّقة بموضوعية، من دون نظريات، إسرائيل قتلت فعلاً أكثر من ستين ألف تشارلي كيرك، مع زوجته وأطفاله، بالنار تارةً، وبالتجويع طوراً، ولا تزال.

