وليد شميط... شاهد على العصر الذهبي للسينما وبيروت
ضمن مهرجان «شاشات الواقع»، يعرض وثائقي «وليد شميط: حياة في قلب السينما»، الذي يتعدّى كونه تحيّةً إلى وجه أساسي في مشهدنا الثقافي، ليكون وثيقةً ثمينةً تؤرّخ لحقبة ذهبية من تاريخ السينما اللبنانية والعربية


يأتي الفيلم الوثائقي المؤثر للمخرج سليم شميط صعب ليوقظ فينا حنيناً إلى زمن الفن والالتزام، ويُعيد إلى الواجهة قامةً فنية وإعلامية لم تنل حقها من التقدير: وليد شميط صعب. هذا العمل، الذي يحمل عنوان «وليد شميط: حياة في قلب السينما» (يعرض عند السابعة من مساء الأربعاء في «المركز الفرنسي في لبنان»)، يتجاوز كونه سيرة ذاتية لوالده، ليصبحَ رسالة حب ووفاء من ابن لأبيه، ووثيقة ثمينة تؤرّخ لحقبة ذهبية من تاريخ السينما اللبنانية والعربية.
من البرازيل إلى بيروت... شغفٌ تحوّل إلى مشروع فكري
بدأ وليد شميط رحلته مع الفن السابع في البرازيل، حيث كان يعيش في شبابه. هناك، وفي عتمة نادٍ سينمائي، وقع في غرام السينما الإيطالية، وتعلّق قلبه بجمالياتها وسحرها. هذا الشغف الطفولي لم يبقَ مجرد هوية عابرة، بل تحوّل إلى مشروع فكري وثقافي متكامل بعد عودته إلى لبنان. آمن شميط بأن النقد ليس مجرد تقييم للأفلام، بل هو مشروع فكري يكمل حركة الإبداع والفن، ويلعب دوراً تكاملياً معها.
كان شميط من روّاد النقد السينمائي في العالم العربي، أسهم بشكل كبير في تعريف الجمهور بالسينما وتحبيبها إليه، سواء عبر كتاباته الدقيقة في الصحف والمجلات، أو عبر برامجه التلفزيونية في تلفزيون لبنان. قدّم برامج مثل «تاريخ السينما في لبنان» و«تاريخ السينما في مصر»، مستضيفاً كبار المخرجين والنقّاد، وموثّقاً إرثاً سينمائياً ثميناً كان على وشك النسيان.
لم يقتصر دوره على النقد فقط، بل شارك كممثل في عدد من الأفلام البارزة مثل «السيّد التقدّمي» (1974 ــ إخراج نبيل المالح) و«عارضة الأزياء» (1977 ـــ إخراج الصادق بن عائشة)، وعمل كمساعد مخرج ومدير إنتاج في عدد من الأعمال الأخرى. كان يؤمن بالسينما البديلة والملتزمة، وعمل على تأسيس «النادي السينمائي العربي» عام 1974، الذي أصبح منارةً ثقافية في بيروت، ونقطة تجمّع لعشاق الأفلام النوعية.
فيلمٌ يوثّق ويرمّم الذاكرة
جاء وثائقي المخرج سليم صعب ليرمّم ذاكرة جيل كامل، ويعرّف الجيل الجديد بقامات فنية سابقة، غالباً ما يتجاهلها الحاضر. بدأ سليم العمل على الفيلم قبل وفاة والده في عام 2023، وكان وليد شميط على علم بالمشروع، ما أضفى على العمل بُعداً إنسانياً وعاطفياً عميقاً. الفيلم سيرة ذاتية خالصة تركز على مسيرة شميط بين الستينيات والثمانينيات، وتأثيره في المشهد السينمائي اللبناني والعربي.
يظهر الفيلم كيف دمج شميط بين همومه الفنية ورؤيته السياسية، ودعمه للقضية الفلسطينية ولفكرة العروبة في إطار مدني جامع. كما يسلّط الضوء على جهوده في دعم الجيل الجديد من السينمائيين، وإيمانه بأنّ الفن هو وسيلة للتغيير الاجتماعي.
«قولوا للي بتحبوهم إنكم بتحبوهم»
إلى جانب بُعده التوثيقي، يحمل الفيلم رسالةً إنسانية مؤثرة، تتلخص في عبارة المخرج سليم وليد شميط نفسه: «قولوا للي بتحبوهم إنكم بتحبوهم قبل فوات الأوان»، فالتقدير الحقيقي لقيمة الأشخاص لا يظهر غالباً إلا بعد رحيلهم. يعكس الفيلم حزن المخرج على فقدان والده، وكيف استخدم هذا الشعور لصنع عمل فني يخلّد ذكراه.
بمشاركة المخرج سليم صعب في مهرجان «شاشات الواقع»، يُعيد هذا الفيلم الروح إلى المشهد الثقافي الذي بات يفتقد روّاد الفكر والنقد، ويؤكد على أنّ إرثهم الفكري باقٍ ومهم، وأنّ أعمالهم لا تزال تثير تساؤلات ملحّة عن واقعنا الثقافي ومستقبلنا.
في النهاية، يعد الفيلم بمنزلة وثيقة سينمائية وفاءً لقامة ثقافية فريدة، ويؤكد على أهمية تخليد ذكرى المبدعين الذين أسسوا للحركة الفنية، وأنّ دور الأبناء لا يقتصر على حمل الاسم، بل يمتد إلى حمل الإرث الفكري والإنساني أيضاً.
* «وليد شميط: حياة في قلب السينما»: س:19:00 مساء بعد غدٍ الأربعاء ــــ «المركز الفرنسي في لبنان» (بيروت)

