شاكر بو عبدالله... «السخيف» الذكي!
للوهلة الأولى، قد يبدو عرض «اسطفل» للممثل شاكر بو عبدالله، مجرد «ستاند أب كوميدي» بالمعنى السائد، لكنه في العمق تجربة مسرحية دقيقة، قائمة على تفكيك المعنى، والاستهزاء به


للوهلة الأولى، قد يبدو عرض «اسطفل» للممثل شاكر بو عبدالله، مجرد «ستاند أب كوميدي» بالمعنى السائد، لكنه في العمق تجربة مسرحية دقيقة، قائمة على تفكيك المعنى، والاستهزاء به، ثم إعادة تركيبه بأسلوب عبثي، يتجاوز حدود النكتة ليصبحَ سرداً بصريّاً وحفراً ساخراً في السّخافة نفسها. السّخافة الذكية، التي تتحول إلى فلسفة مُضادة للمعنى.
المفارقة الأولى التي يواجهها المشاهد في عرض «اسطفل» هي أسلوب شاكر المخالف لكل توقع. بينما يميل الستاند أب كوميديان عادةً إلى الديناميكية، والصوت العالي، والحركة المبالغ فيها لجذب الانتباه، يفاجئنا شاكر بـهدوئه وسكونِهِ المُتقَنَين، كأنّهُ غيرُ معنيٍّ بإبهارك. هذا الهدوء هو سلاحه الأذكى، ليصنع من اللامبالاة المدروسة، والحد الأدنى من الحركة، حالةً من التّرقب التي تفضي إلى الضحكة. إنها مفارقة بين الشكل الهادئ والمضمون المُباغت الذي يجعلك تضحك من توتر الصّمت نفسه.
تتحول النكتة من مجرد سالفة شعبيّة إلى سيناريوهات قصيرة
هذا الأسلوب لا ينفصل عن حضوره الواثق، الذي يكشف عن خلفيّة مسرحيّة واضحة. هو ليس مجرد مؤدّي نكات، بل ممثل محترف يمتلك أدواته بالكامل. ويُظهر وعياً متمكّناً بجسده وصوتِه: إدارة دقيقة للنبرة والإيقاع، وتحكّم محسوب في التنفّس يضمن استمرارية تدفّق السرد من دون انقطاع. حركته على الخشبة محسوبة ومينيمالية، لا مجال للمبالغة، فالقليل في الأداء هنا يعني الكثير.
تتحول النكتة في عرض «اسطفل» من مجرد سالفة شعبيّة إلى سيناريوهات قصيرة، بشخصياتها، وتصاعدها، وخاتمتها. هي ليست سريعة أو وليدة اللحظة، بل سرديات مُتداعية، ومُعَدَّة سلفاً، تتبنّى «السخافة الإيجابية»، وتستلهمُ من المسرح العبثي الذي واجه الفوضى الوجودية بفن مجرَّدٍ من الرسائل المُباشرة.
وبذلكَ كلّهِ، يُعيد شاكر بو عبدالله الاعتبار للسخرية بوصفها أداةً وجودية، لا حيلة كوميدية سطحيّة، ويضعنا أمام مرآةٍ نرى فيها تفاهةَ الحياة اليومية فَنُصفِّقُ لها ونضحك.
* «اسطفل»: اليوم والاثنين 29 أيلول (س:20:00) ـــــ LAF (جونيه) ـ للاستعلام: 71232924
