
لا يمكن متابعة علاقة وسائل الإعلام والصحافة في بلاد العم سام في ظل الرئيس الأميركي دونالد ترامب من دون تذكر البرنامج الشهير الذي ظهر فيه الميلاردير الأميركي، ليقول لمن يخسر ويخرج من البرنامج «أنت مطرود!». لم يخف ترامب في أي لحظة من مسيرته المهنية والسياسية صفاته الإقصائية والاستبدادية، بل على العكس تماماً. ولو كان ماركس وأنجلز حيين اليوم، لما وجدا مثالاً أصدق على الرأسمالية المتوحشة من سياسات ترامب.
أنت حر بقدر ما تملك من أموال
لا يخرج ترامب بتصرفاته التي يصفها بعضهم بـ «الجنون» عن التقاليد الأميركية الفعلية، لكنه يزيح ورقة التوت عن الحلم الأميركي الواقعي «أنت حر بقدر ما تملك من أموال». وفي هذا السياق، يمكن متابعة أخبار بلاد «اليانكي» حيث يواصل ترامب استهدافه المستمر للإعلام الناقد له ولحركته السياسية MAGA منذ عودته إلى السلطة، بما في ذلك فشله في محاولة الانقلاب على الكابيتول، ما دفع صحيفة «الغارديان» البريطانية إلى طرح سؤال «من التالي الذي سيتم إسكات صوته؟
Lowest rated Oscars in HISTORY. Problem is, we don’t have Stars anymore - except your President (just kidding, of course)!
— Donald J. Trump (@realDonaldTrump) March 6, 2018
كيميل يلحق كوليبر... من التالي؟
أثار تعليق جيمي كيميل على قضية مقتل الناشط المقرّب من ترامب، تشارلي كيرك، عاصفة سياسية وإعلامية انتهت بوقف برنامجه الليلي على شبكة ABC إلى «أجل غير مسمى». الشبكة، التابعة لشركة «ديزني»، بررت القرار بضغط من شركائها ومن إدارة ترامب، فيما وصف الرئيس الأميركي الأمر بأنه «إقالة بسبب قلة الموهبة وتراجع نسب المشاهدة». لكن هذا الخطاب لم يبدُ مقنعاً، إذ جاءت الإقالة بعد سلسلة خطوات مماثلة، شملت إيقاف برنامج ستيفن كولبير في وقت سابق بذريعة مشابهة، فيما يوجّه الضوء اليوم إلى جيمي فالون، مقدم «The tonight show»، الذي أعلن دعمه العلني لزميله كيميل واصفاً إياه بأنه «شخص طيب ومحب».
· خوف من الأخ الأكبر دونالد
وفي افتتاحيات مشابهة لأسلوب الكاتب البريطاني جورج أورويل الذي رقابة من يعرف بـ «الأخ الأكبر» على حرية التعبير، شارك أبرز مقدّمي البرامج الليلية في الولايات المتحدة بردّ سريع وموحَّد لدعم كيميل وإدانة إقالته من خلال إظهار خوفهم من «الأخ الأكبر دونالد ترامب» وكيل المدح له على مبدأ «المبالغة في المديح هو نوع من الذم». فقد خصّص جون ستيوارت حلقة استثنائية من برنامجه «The daily show» قدّمها على طريقة «المجاملات المبالغ فيها» للرئيس، واصفاً ترامب بـ «الأب الذي ينشر ألقه الأسطوري في إنكلترا»، قبل أن يسخر من فكرة أنّ التعديل الأول في الدستور الأميركي، الذي يكفل حرية التعبير، أصبح يُقاس اليوم بـ «مؤشر الموهبة» على مكتب الرئيس، في إشارة إلى أنّ ترامب، كلما أراد إسكات صوت صحافي أو إعلامي معارض، يلجأ إلى تبريرات من قبيل «نقص الموهبة» أو «ضعف نسب المشاهدة». ذريعة تقابلها في الأنظمة السلطوية تهمة «النيل من هيبة الدولة». أمّا ستيفن كولبير وسيث مايرز، فانضما إلى الموجة الساخرة، محذِّرين من مخاطر الرقابة على الكوميديا السياسية.
المال يفسد الصحافة... التسويات مقصلة الحرية
تكشف قضية كيميل أنّ سياسة ترامب الإعلامية ليست مجرد نزوة، بل عملية انتقامية منظمة من المؤسسات خاصة الإعلامية التي واجهته في ولايته الأولى، ويحمّلها مسؤولية محاولة منع عودته إلى البيت الأبيض للمرة الثانية. وكرجل أعمال بارع، لم يتردد ترامب في التعمّق في ملفات هذه المؤسسات وشركاتها المالية، وبدأ بتوجيه ضرباته بأسلوب أشبه بسيناريو مسلسل الدراما الشهير «Succession»، حيث عادة ما يهاجم المؤسسات الإعلامية عندما لا ترضيه، تماماً كما فعل مع صحيفة «نيويورك تايمز» في دعوى تشهير بلغت 15 مليار دولار، ومع قنوات كبرى كـ CBS دفعت تسوية ضخمة لإنهاء قضية مشابهة.
-
الأخطر في ضجة كيميل أنها حجبت قضية أشد قسوة تتعلق بالناشط محمود خليل
فتّش عن صفقات الاندماج
ورغم أن القانون الأميركي لا يتيح للسلطات الانتقام من وسائل الإعلام الخاصة، فإن ترامب استغل دخول العديد من هذه المؤسسات في تسويات مالية ضخمة، مما دفعها إلى البحث عن رضاه ومباركته. ووفقاً لتقارير «واشنطن بوست»، فإن صفقات الاندماج بمليارات الدولارات أصبحت تغذي موجة إيقاف مقدمي البرامج التلفزيونية، حتى باتت مقصلة على رقاب حرية الصحافة، إذ تجد الشركات نفسها مضطرة لمعاقبة منتقدي ترامب لضمان موافقات حكومية على تسويات مالية بمليارات الدولارات. وفي هذا السياق، فضلت شبكة ABC/ ديزني، وشركات كبرى مثل Nexstar و «سينكلير»، إرضاء البيت الأبيض ومحيطه السياسي والمالي لتأمين مصالحها التجارية. وبالموازاة، يسعى أصحاب مليارديرات مقربون من ترامب، مثل ديفيد إليسون، للسيطرة على مؤسسات إعلامية كبرى، ما يفتح الباب أمام إعادة هيكلة الإعلام الأميركي بما يتماشى مع أجندة اليمين الشعبوي. صحيفة «دير شبيغل» حذرت بدورها من «سياسة الإلغاء» هذه، مشيرة إلى أن ّالصمت الإعلامي إزاء استهداف كيميل وكولبير قد يتطور مستقبلاً إلى سحب تراخيص محطات كاملة، وهو ما لمح إليه ترامب علناً حين قال إنّ «الشبكات المرخصة لا يحق لها بث نقد سلبي لي طوال الوقت».
الإقصاء في كل مكان
الأخطر في ضجة كيميل أنها حجبت قضية أشد قسوة تتعلق بالناشط الفلسطيني-السوري محمود خليل. خليل، الحاصل على البطاقة الخضراء والمولود في سوريا، اعتُقل ثلاثة أشهر بسبب نشاطه المؤيد لفلسطين، وصدر أخيراً قرار بترحيله إلى الجزائر أو سوريا رغم استمرار دعواه الفيدرالية. القضية ارتبطت مباشرة بمناهضته لسياسات إسرائيل وجرائمها في غزة، لكنها وُصفت ظلماً بأنها «معاداة للسامية». هذه السابقة تمثل تهديداً مباشراً لحرية التعبير، كونها لا تتعلق ببرنامج تلفزيوني ساخر، بل بحرية ناشط سياسي مُهدد بالترحيل القسري. مع ذلك، لم يحظَ الملف بتغطية إعلامية جدية، بل أسهمت بعض المنابر في تبرير استهدافه.
وهذا الأسلوب ليس حكراً على إدارة ترامب وحدها. فقد دأبت الإدارات الأميركية المتعاقبة على «النبش» في نقاط ضعف للضغط على خصومها. وسبق للموظف السابق في الاستخبارات الأميركية إدوارد سنودن الكشف عن برنامج تجسّس أميركي يستخدم في خرق اتصالات ومراسلات حلفاء أوروبيين للضغط عليهم. كما أنّ صحافيين تعرضوا لحملات تضييق من خلال ملاحقة أحباء أو أقارب لهم أو حتى أصدقاء من الجاليات المهاجرة أو التهديد باتهامهم بالتعاون مع المخابرات الروسية بعدما أسهمت مواد صحافية لهم في الكشف عن كذبة «السلاح النووي» التي استخدمت ذريعة للحرب على العراق أو عن جرائم الجيش الأميركي في فيتنام.
إنها لحظة فارقة تكشف أنّ الخطوط الحمر لحرية التعبير لم تعد ثابتة، وأن الإعلام الأميركي بات عرضةً للمساومة على مصالح سياسية وتجارية. فقضية كل من جيمي كيميل، ومحمود خليل، تظهر أنّ الإعلام الأميركي في عهد ترامب الثاني بات أضعف من أي وقت مضى أمام الضغوط السياسية والتجارية. الحرية الإعلامية، التي طالما قُدمت كأيقونة «الحلم الأميركي»، تتآكل اليوم تحت شعار «أنت مطرود»، حيث تُلغى الأصوات المزعجة للرئيس أو المهددة لمصالح رأس المال. إنها لحظة فارقة تكشف أنّ ورقة التوت سقطت، وأنّ حرية التعبير في أميركا لم تعد خطاً أحمر بل مجرد بند قابل للمساومة.

