المنشد الصوفي التحق بالحلّاج ورفاقه: أحمد حويلي... ديني لنفسي ودين الناس للناس

أمس ووري المنشد اللبناني أحمد حويلي ثرى بلدته حومين الفوقا (جنوبي لبنان)، بعدما كابد المرض طويلاً. رحل باكراً لكنّه نجح في مدة قصيرة من شقّ درب فني خاص به جمع بين العزاء الحسيني والإنشاد الصوفي والغناء.
كان صوتهُ مساحةً يتقاطع فيها الحزن بالحب، والتقليد بالحداثة، والتلاوة بالتصوّف، فجمع بين ما بدا متناقضاً للوهلة الأولى، وصاغ منه تجربةً فريدة لم تكتمل إلا برحيله.
فقد المشهد الفني والثقافي في لبنان واحداً من الأصوات النادرة التي لم تكتفِ بالالتزام بالطقس الديني، بل سعت إلى تطويره وتحويله إلى تجربة فنية وروحية أوسع. لم يكن طريقه سهلاً ولا تقليدياً، لكنه كان مساراً متدرجاً، بدأ من جنوب لبنان، مروراً بالمجالس القرآنية والعزاء الحسيني، وصولاً إلى خشبات المسارح في بيروت، حيث قرّر أن يفتح صوته على آفاق جديدة.
من حداثا إلى الحوزة
وُلد حويلي في بيئة طبعت حياته وصوته معاً. فالجنوب، بذاكرته المثقلة بالحروب والتهجير والمقاومة، وبشبكة طقوسه الدينية والاجتماعية، كان الخلفية الأولى لتجربته.
هناك، بدأ قارئاً للقرآن، ثم منشداً في المآتم، ملتزماً بقواعد التجويد وبدقة الأداء التي تعلّمها في الحوزات الدينية بين لبنان وإيران. منح هذا التكوين صوته صرامةً خاصةً، لكنه في الوقت نفسه حمّله بطاقة وجدانية تتجاوز الجانب التقني.
رغم انخراطه في الطقس التقليدي، ظلّ حويلي يبحث عن شيء آخر. كان يدرك أنّ صوته قادر على حمل مساحات أوسع من الحزن الجماعي. انجذب إلى الشعر الصوفي، ووجد في نصوص الحلاج وابن الفارض وجلال الدين الرومي لغةً قريبة من تجربته الداخلية. لم يتعامل مع هذه النصوص كخروج على الإطار الديني، بل كامتداد له: انتقال من الطقس المغلق إلى التجربة المفتوحة، من الحزن المقنّن إلى التأمل الحرّ.
التحوّل الموسيقي
جاء التحوّل الفعلي مع لقاء حويلي بزياد سحاب، الموسيقي الذي امتلك حساسيةً لالتقاط الاختلاف. رأى فيه ما يتجاوز الصوت الحزين أو الملتزم بالإنشاد الديني، وقرّر أن يقدّم له مساحة موسيقية جديدة. هكذا بدأ التعاون بينهما، وكان ذلك في عام 2010، لحظة انتقال حويلي من المجالس التقليدية إلى المسارح، ومن حلقات التلاوة إلى حفلات حضرها جمهور يبحث عن معنى مختلف للإنشاد.
لم تتحول تجربة حويلي إلى مشروع موسيقي مؤسّساتي متكامل. لم يكن مندمجاً في السوق الفنية ولا مهتماً بالانتشار الإعلامي. بقي ما قدّمه أقرب إلى مبادرات فردية أو حفلات متفرقة، لكنها حملت فرادته. كان يحاول أن يوازن بين خلفيته الدينية وبين انفتاحه على الفن، بين صرامة الطقس وجماليات المقام. هذه الثنائية جعلت تجربته محدودة الانتشار، لكنها تركت أثراً نوعياً في من تابعها.
المرض والانقطاع
في السنوات الأخيرة، واجه حويلي سلسلةً من الأزمات الصحية. خضع لعمليات جراحية متكررة أضعفت جسده، وأجبرته أحياناً على الانقطاع. جاءت جائحة كورونا والانهيار الاقتصادي لتزيد من صعوبة عودته إلى المسرح. مع ذلك، أصرّ على البقاء حاضراً.
في إحدى حفلاته في «دوّار الشمس»، بدا كأنّه يعلن انتصاره الشخصي: أن يستعيد صوته رغم المرض، وأن يؤكد أنّ الغناء بالنسبة إليه ليس مهنةً فقط، بل وسيلة مقاومة داخلية.
برحيله، يخسر المشهد الصوت الذي كان يمكن أن يطوّر أكثر هذا المشروع. لم يُتح له الوقت الكافي ليترك أرشيفاً واسعاً أو ليسجّل أعمالاً كثيرة. لكن ما قدّمه يظل وثيقةً عن إمكانية تطوير الإنشاد في لبنان، وعن قدرة الصوت الخارج من الجنوب على أن يتحوّل من أداة طقس جماعي إلى وسيلة بحث فردي عن المعنى.

