
استكمل الإعلامي البريطاني بيرس مورغان، «تكويعته» السياسية في ما يتعلّق بموقفه من حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة. مورغان الذي كان من أشدّ المدافعين عن إسرائيل خلال السنة الأولى من العدوان، وصل به الحال اليوم إلى مهاجمة «اليمينيّين المتشدّدين» في الحكومة الإسرائيلية الذين يتبجحّوا بـ «وقاحة وعلانية» عن رغبتهم بتطهير غزة عرقياً. لكن ما سرّ التغيّر الدراماتيكي في موقف الإعلامي المحافظ؟ وهل هو حالة معزولة أم جزء من تسونامي يطيح بجميع مطبّلي بروباغندا الإبادة اليمينيين؟
يُعرف مورغان بمواقفه المحافظة المثيرة للجدل، تحديداً بتعليقاته الساخرة والاستفزازية حيال مواضيع الصحة العقلية وحقوق المرأة والمثلية الجنسية وغيرها، وهو ما تسبّب في تلقّي «هيئة تنظيم الإعلام» البريطانية آلاف الشكاوى على تصريحات الرجل الستيني. ومنذ بدء الحرب الإسرائيلية على غزة، اصطفّ الإعلامي الذي يملك برنامجاً حوارياً شهيراً يحمل اسم Piers Morgan Uncensored، إلى جانب إسرائيل بشكل لا ريب فيه، حتّى إنّه اشتهر خلال العام الأول من الصراع بجملته المتكرّرة أمام كل ضيف يحشر مورغان في النقاش السياسي: But do you condemn Hamas، أي هل تدين «حماس».
لكنّ الإعلامي البريطاني الشهير ادّعى خلال مقابلة أجراها الأسبوع الماضي مع الناشط على منصة «إكس»، ماريو نوفل، أنّه منذ مطلع عام 2025، بدّل من موقفه حيال الصراع، إذ رأى أنّ 60 ألف ضحيّة في غزة، من بينهم 20 ألف طفل، هو رقم غير مقبول ولا يتناسب مع حجم ما حدث في 7 تشرين الأول (أكتوبر). بالنسبة لمورغان، كان لإسرائيل الحقّ في الدفاع عن نفسها بعد الهجوم الأول، لكنّ ليس بهذا الحجم. بالإضافة إلى ذلك، هاجم مورغان الحكومة الإسرائيلية بسبب الحصار المطبق على القطاع لثلاثة أشهر واصفاً إيّاه بـ «الجريمة الغذائية» بحقّ السكان. كما لفت إلى عبثية الحرب إذ لم تتمكّن القوات الإسرائيلية من تحرير الأسرى ولا تحقيق شيء سوى تدمير سبعين في المئة من القطاع. الإعلامي المحافظ لم يقف عند هذا الحدّ، بل هاجم «اليمينيين المتشددين الوقحين» في حكومة الاحتلال، وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، ووزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، متهماً إيّاهم بالسعي نحو تطهير قطاع غزة بشكل كامل من الفلسطينيين. مورغان دعا إلى أخذ كلمات الحكومة الإسرائيلية بجديّة حيال مسعاها التوسعي مما يفرض على العالم وضع خطوات للتصدي لها. من جهة أخرى رفض الإعلامي البريطاني محاولات إسكات أي محاولة لانتقاد سياسات الحكومة الإسرائيلية من خلال الاتهام بمعاداة السامية، كما أشار إلى أنّ الهجوم الإسرائيلي على قطر كان «متهوّر وغبي ودليل على أنّهم لا يريدون السلام».
Watch | British journalist Piers Morgan openly changed his stance on “Israel”, stating:
— Quds News Network (@QudsNen) September 22, 2025
“I’m not alone; most who defended Israel now see it has gone too far.”
He condemned the ongoing attacks as genocide and ethnic cleansing happening before the world’s eyes. pic.twitter.com/V0gkb5n3rA
ومنذ بداية العام الحالي، هبّت رياح التغيير «فجأة» على مواقف صقور اليمين من إعلاميين وناشطين في بريطانيا والولايات المتحدة. فمن التطبيل الكامل لسرديات الاحتلال والدعم المطلق له، إلى مواقف «صادمة»، نظراً إلى هوية أصحابها. إلى جانب بيرس مورغان، تبدّلت مواقف الإعلامي الأميركي المحافظ الشهير، تاكر كارلسون، ليفتح نيرانه الكلامية على إسرائيل متسائلاً عن سبب النفوذ الإعلامي الواسع داخل أميركا ومهاجماً تماهي سياسات بلاده الخارجية إلى جانب إسرائيل في كل محفل. بالإضافة إلى ذلك، ختم الراحل الأميركي المحافظ، تشارلي كيرك، مسيرته الدعائية داخل الشارع اليميني في أميركا، قبل اغتياله، بتسليط الضوء على نفوذ اليهود داخل البلاد. كما سبق وهاجم رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، بطريقة حادّة طارحاً نظريات مؤامرة حول استغلاله لحرب الإبادة العرقية من أجل مصالحه الشخصية والهروب من مشاكل سياسية داخل الكيان. علماً أنّ الشهر الأخير قبل مقتل كيرك، تخلّله تلّقي الناشط الأميركي انتقادات لاذعة وصلت لاتهامه بمعاداة السامية.
هل هي دموع التماسيح أم صحوة ضمير، أم شيء آخر دفع هؤلاء إلى نقل البارودة من كتف إلى كتف. بالنسبة إلى الصحافي الناشط اليساري ريتشارد ميدهورست، يرى بيرس مورغان اتجاه الريح ويحاول القفز من السفينة، «لكن يجب ألا ننسى أنه كان أحد أبرز مروجي الدعاية الإسرائيلية وتبرير الإبادة الجماعية». من جهة أخرى، لمع توصيف أحد الحسابات على موقع «رديت» باعتباره أنّ بيرس «لم يكن مؤيداً لأي شيء سوى بيرس نفسه. لقد استغل هذا الصراع للحصول على المتابعين لمدة عامين تقريباً، وأي شيء يقوله يجب أن يؤخذ بحذر شديد». لكنّ الأكيد أنّ دماء الأبرياء في غزة هي المنبع الرئيسي للتحوّل الواسع في الرأي العام العالمي، وما يتبعه من إطاحة أو تبدّل في مواقف مطبّلي بروبغندا الإبادة، واحداً تلو الآخر.

