
يكثر الحديث في الإعلام، خصوصاً في الآونة الأخيرة، حول سير المركبات وأزماته المتشعّبة في لبنان. لكنّ تعاطي الإعلام مع الموضوع يشبه تعاطي مختلف الجهات والأطراف معه، ولو حاول هذا الإعلام التظاهر بالاختلاف أو لعب دور المخلّص الذي لولاه لكانت الأمور ذهبت إلى الهاوية... لكنّها في الهاوية أساساً، ولا تعدو «استفاقة» الإعلام كونها على قاعدة «اللهم أنّي بلّغت».
الإعلام شريك في الأزمة
في بلد مثل لبنان، يمكن حتّى إعادة جزء من المسؤولية عن حالنا هذه إلى الإعلام نفسه، لا بسبب كون بعضه شريكاً في فساد العقود الماضية فحسب وتأثير ذلك في المال العام، بل كذلك بسبب تقصيره من نواحٍ عدّة، يمكن اختصارها بالزبائنية والخصخصة و«خصوصيّات» أصحاب رأس المال المستفيدين من الوضع القائم، ولديهم علاقات وطيدة مع الإعلام المهيمن المستفيد بدوره من الوضع مثلهم.
هكذا، تُحصر «الإنجازات» بتزفيت طريق هنا أو إنارة شارع هناك، يتولّى الإعلام التطبيل لها وفقاً لتوجّهاته وهوية «صاحب المبادرة». غالباً ما تكون هذه المبادرات من أحزاب أو شخصيّات أو جمعيّات، وتتزايد وتيرتها قبل كلّ انتخابات نيابية، فيما في الحقيقة ليست سوى ترقيع للأزمة وعدم معالجة جذورها، ما يضمن تكرار «المبادرة» ذاتها كلّ بضع سنوات والتطبيل لها، بما أنّها لا تصمد طويلاً بعد انتهاء الهرج والمرج.
ويدخل بعض الإعلام على الخطّ، فيلصق شعاره على مبادرة هنا وأخرى هناك، استغلالاً للأزمة في التسويق لنفسه في أنشطة بديهية يُفترض أن تقوم بها وزارة الأشغال والبلديّات وغيرهما من الجهات المسؤولة. تجدر الإشارة إلى أنّ هدفنا ليس اختصار مشكلة بهذا الحجم بالإعلام، إنّما إبراز دوره كوننا من أهل الإعلام. كما ليس هدفنا «التنقير» على المبادرات الصغيرة، إنّما تفنيد جذور ما وصلنا إليه اليوم.
احتفاء بـ«الترقيع» وغياب التوعية بالوسائل البديلة
من جهة أخرى، يسوّق بعض الإعلام، ولا سيّما المؤيّد للحكومة الحالية، لـ«إنجازات» الوزارة والوزير فايز رسامني، رغم أنّها إجراءات يُفترض أن تكون بديهية في أيّ بلد. مع ذلك، فإنّ غالبية هذه الإجراءات ليست وفق دراسة إستراتيجية للحكومة وهدف واضح لتطوير النقل الحضري، وتأتي «بالشراكة مع القطاع الخاصّ»، وهي عبارة درّجها الوزير السابق علي حميّة. وخلال إعادة افتتاح محطّة قطار مار مخايل قبل نحو أسبوعَين، ردّ الوزير رسامني حول إمكانية عودة سكّة الحديد بأنّ ليس لديها جدوى اقتصادية في الوقت الحالي، ولفظ الكلمة خطأً «جودة».
لكنْ، هل فعلاً للقطار تأثير منعدم إلى هذه الدرجة؟ لو كانت للحكومة نيّة للتخطيط، لوجدت أنّ معظم المشكلات التي تستدعي «مبادرات» ويهبّ الإعلام للحصول على قضمة من كعكتها، تحلّها السكّة الموجودة أساساً. بدايةً، ستخفّف من عدد الشاحنات على الطرقات التي تتسبّب في ازدحام خانق ويقود بعض سائقيها بتهوّر، بدلاً من إقامة مواعيد محدّدة لمرور الشاحنات كما حصل أخيراً والاحتفاء بذلك إعلاميّاً، قبل أن يُمنح الاستثناء تلو الآخر بعد ملاحظة حاجة مختلف القطاعات الماسّة إلى الشاحنات. كذلك، يُغني القطار عن مهزلة الحافلات التي تريد الدولة تشغيلها وتصطدم بمطبّ كل مدّة، وتوفّر الكثير عن كاهل الطبقات العاملة.
هكذا إذاً، يكون للقطار جدوى اقتصادية في نقل البضائع بطريقة آمنة وسلسة، في داخل لبنان وكذلك للاستيراد والتصدير. وفي الوقت عينه، يخفّف من الزحمة ويعطي الطبقة العاملة قدرةً على التنقّل بحرّية أكبر في السيّارة، ومن دون تكبّد بدائل مادّية كبيرة في القطار.
ينعكس ذلك مباشرةً على الإنتاجية والقدرة على الادّخار، ما يعني مزيداً من الجدوى الاقتصادية. فوق ذلك كلّه، يخفّف القطار من استيراد المحروقات التي تكبّد الاقتصاد اللبناني مبالغ باهظة بالعملات الصعبة التي يمكن أن تذهب إلى استثمارات أكثر أهمّية، ويخفّف من استيراد السيّارات (وغالبيتها سيّارات لم تعد صالحة للسير في بلدان مصدرها وتدخل حاليّاً من دون حسيب ولا رقيب) بعدما أصبح البلد موقفاً كبيراً لها.
ويخفّف أيضاً من الفاتورة الصحّية، ومن الضغط على الطرقات، ما يعني تقليص الحاجة إلى تبذير الأموال العامّة على صيانتها وإقامة جسور وأنفاق لا تفعل سوى زيادة الأزمة سوءًا.
كلّ تلك جدوى اقتصادية، لكنّ الوزير الذي يُفترض أنّه على اطّلاع على هذه الأمور لم يرها، ولم توجد وسيلة إعلامية واحدة، ولا سيّما من المرئية، للردّ على ذلك التصريح أو على الأقلّ شرح أهمّية إعادة تشغيل سكّة الحديد في لبنان.
واقتصر الأمر على الاحتفاء بإمكانية إعادة الترامواي إلى بيروت، وهو ما دونه صعوبات وتكاليف كبيرة يمكن صرفها على مشاريع أكثر استدامة وإفادة لكلّ المناطق وليس بيروت فقط. والأهمّ من ذلك كلّه أنّ القطار يقلّص من حوادث السير وموت الناس الذي لا يكترث له أحد قبل أن يتخطّى عتبة معيّنة أو يودي بشخصية معروفة، أو أن تحصل حادثة معيّنة مع إعلامي، فيستفيق الإعلام فجأة حول الموضوع.
دورة العجلة الرأسمالية
في المبدأ، يمكن إعادة كلّ أزمة السير إلى السياسة، ليس فقط من حيث غياب الإستراتيجيّات في التخطيط والتنظيم والتوعية وتقصّد جعل بيروت مدينة مركزية منذ أيّام الحريرية، بل كذلك الجشع والرأسمالية. فالاعتماد على السيّارات والشاحنات هدف مقصود يقف خلفه المتعهّدون ومستوردو المحروقات والسيّارات وقطعها وشركات النقل والتأمين وغيرهم. مجرّد أنّ وضعت الدولة حافلات على الخطّ، تعرّض سائقوها للضرب من بعض سائقي الحافلات الخاصّة باعتبار أنّها تأكل من صحنهم، فكيف إذا قامت الدولة بما هو أكثر أهمّية من ذلك؟ حتّى السيّارات الكهربائية التي يُفترض أن تشكّل بديلاً مستداماً، تحوّلت إلى «تجرة»، علماً أنّها لا تحلّ المسائل المرورية بشكل جذري.
حوادث السير قضية موسمية
أمّا التعاطي الإعلامي مع حوادث السير، فحدّث ولا حرج. كما أسلفنا، لا يتحدّث الإعلام عنها إلّا عند تخطّي الضحايا عتبة معيّنة، أو حصول حادثة مع شخصية معروفة.
والمبرّرات دائماً هي ذاتها، رغم أنّها لا تشفي الغليل دائماً: سرعة زائدة، غياب إنارة، طرقات وعرة، غياب حواجز أمنية... وقلّما يكون الحديث عن استخدام الخلوي أثناء القيادة، أو عن غياب رخص السوق بسبب إغلاق النافعة المتكرّر. لكن في المدّة الأخيرة، أنير عدد كبير من الطرقات عبر الطاقة الشمسية أو المولّدات الخاصّة، وزُفّت بعضها، فما الذي يسبّب الارتفاع الكبير في الحوادث القاتلة بحيث تخطّى عدد الضحايا الـ500 سنويّاً (بحسب غرفة التحكّم المروري)؟
هناك فعلاً سلوك منحرف من قِبل قائدي المركبات، وهو ما يستدعي توعية إعلامية. لكن «تجارب الدول علّمتنا أنّ تأثير التوعية ضئيل جدّاً إذا لم يترافق مع إجراءات جدّية تقوم بها الدولة والبلديّات ومؤسّسات القطاع العام» بحسب ما يقول لـ«الأخبار» مؤسّس جمعية «يازا» للسلامة المرورية زياد عقل. ويعطي مثالاً: «اعتبر أنّك قمت بتوعية للطلاب في المدرسة، ثمّ خرجوا ليشاهدوا أهاليهم يتخطّون الإشارات الحمراء ويسرعون ويشفّطون ويخالفون القانون» من دون محاسبة.
عندها «يصبح للتوعية بُعد نظري أكثر». ويضيف أنّ التجارب التي نجحت في العالم كانت «عندما ترافقت جهود التوعية مع جهات إنفاذ القانون»، مشيراً إلى أنّ البلديّات في لبنان «شُلّت» والمؤسّسات العامّة تعاني، لكنّه لا يحجب الأمل عن استعادتها كلّها لعافيتها.
سلوكيّات السائقين
ومن السلوكيّات المذكورة: قيادة الشاحنات على المسارب اليسرى من الأوتوسترادات حتّى على الطرقات ذات الوضع الجيّد على المسارب اليمنى، وما يسبّبه ذلك من زحمة سير أو نيّة سائقي السيّارات التجاوز من جهة اليمين وهو ما قد يسبّب الحوادث. يزداد الأمر سوءاً عندما تسير شاحنتان أو ثلاث جنباً إلى جنب، فتغلق الطريق فعليّاً.
هذا على اعتبار أنّ السيّارات تلتزم بمسرب واحد. كذلك، هناك مَن يضيئون المصابيح الأمامية الساطعة حتّى في الطرقات المضاءة، ما يعيق رؤية السائقين الآخرين ليلاً، أكانت هذه المصابيح في مقابلهم أو تنعكس على مراياهم الخلفية، ويزداد الوضع سوءاً عند تزويد بعض المركبات بمصابيح ضخمة مخالفة للقانون. هناك مَن يقود عكس السير حتّى على الأوتوسترادات، أو يتوقّف في منتصف الطريق، ولا سيّما بسبب الدكاكين المنتشرة على طول الطريق المعروفة باسم «ناولني» التي ربّما لا يوجد لها مثيل في العالم.
هناك بعض سائقي الدرّاجات النارية المستهترين الذين يقودون عكس السير، من دون خوذ، يتسابقون بين السيّارات، يقفزون أمامها، وفي النهاية تقوم القوى الأمنية بهبّة تحجز عبرها بضع درّاجات لعدم حيازتها الأوراق القانونية، فيما تستمرّ المخالفات الأخرى كأنّ شيئاً لم يكن. وهناك شركة توصيل تعتمد على الدرّاجات، معروفة بقدر ما سائقوها معروفون بتهوّرهم على انتشار الأراضي اللبنانية.
هناك سائقو مركبات يفتعلون المشكلات فقط من أجل أفضلية مرور، حتّى عندما لا يكون هناك مجال لإفساحه لهم، ويستخدمون مصابيحهم المخالفة ضمن محاولتهم، ويقومون بتصرّفات بذيئة، وغالباً ما تكون لوحات سيّاراتهم منزوعة أو مزوّرة.
هناك في المقابل مَن يقودون ببطء شديد على المسارب اليسرى، ولا يفسحون المجال لراغبي الاجتياز، وغالباً ما يكونون ملهيّين بالخلوي، وقد «يشردون» أحياناً أيضاً. كما هناك مَن يضغطون على الفرامل فجأة، ومَن لا يستخدمون الإشارات، ومَن يقفزون من المفارق وعلى الإشارات الحمراء من دون اكتراث لأحد، ومَن ليست لديهم مصابيح، ومَن يتذكّرون مفرقاً في آخر لحظة، واللائحة تطول...
دور الإعلام في توعية السائقين
باختصار، هناك طريقة قيادة يجب تعليمها لمَن هم على الطرقات من ألفها إلى يائها، وهو أمر متوقّع في بلد معروف بحصول معظم أبنائه على رخص القيادة عبر الرشوة و«الواسطة»، هذا إن حازوها أساساً. لذا، قد يكون دور الإعلام أكثر فعّالية إذا ما ركّز على هذه الأمور، بغضّ النظر عن حال الطرقات وتقصير الجهات المسؤولة وغيرها. فالكثير من هذه التصرّفات لا يتعلّق بحال الطرقات.
على سبيل المثال، تُلزم دول كثيرة السائق على الأوتوتستراد بوضع إشارة عند تغيير المسرب، والالتزام بخطّ المسرب وسرعته، ووضع حزام الأمان، والالتزام بسرعة قصوى كما بسرعة دنيا، والتجاوز فقط عن اليسار، وغيرها. كلّ هذه من الممكن أن تخفّض عدد الحوادث.
غياب القوانين
من جهته، يشير الباحث في مجال النقل علي الزين إلى تحدّث وسائل إعلامية في كثير من الأحيان عن مخالفة القانون بتصرّفات معيّنة على الطرقات، لكن لدى تدقيق الباحث في القوانين يتبيّن أنّ ما من قانون يمنع التصرّف قيد النقاش. صحيح أنّ الدور هنا وصل إلى السلطة التشريعية، لكن المشكلة الأساس في نقل الخبر من دون تدقيق. فهنا يكون دور الإعلام في إيضاح ألّا قانون يمنع ما حصل، بدلاً من مجرّد لصق عبارة «مخالفة القانون» فقط من دون تدقيق.
ديستوبيا رأسمالية
هكذا إذاً، يتمّ التعاطي مع أزمة متشعّبة ومتشابكة كشبكة العنكبوت باستهتار واستخفاف وتسخيف، تماماً مثل أيّ قضية أخرى في هذا البلد تقريباً. لكنْ آن الأوان أن تتولّى مختلف الجهات مسؤوليّاتها، بما فيها الإعلام، إذ إنّ الفرق حياة أو موت شخص آخر، والوضع بات لا يُطاق، إلى حدّ استحالته ديستوبيا رأسمالية.
mtv متعهّدة طرقات!
تبرز mtv أخيراً في تسويق نفسها في مجال صيانة الطرقات، وهو ليس أمراً جديداً عليها. منذ مدّة، تسوّق لكونها شاركت في إضاءة الأوتوستراد بين الزلقا والنقّاش، وهي مبادرة أتت نتيجة تضافر جهود عدد من الجمعيّات الخاصّة وأصحاب المولّدات الخاصّة في المنطقة.
أمّا في بيروت، فتقوم «مؤسّسة مخزومي» التابعة للنائب فؤاد مخزومي بحملة «إنسى جورة» بالشراكة مع mtv وجمعية DSD، بردم الجور في الشوارع، «بالتعاون مع بلدية بيروت» وفق ما أعلنت المؤسّسة، وهو ما يعني فعليّاً استقالة البلدية من دورها لمصلحة نائب يتحضّر للانتخابات النيابية، وما على المشكّك سوى النظر إلى مناطق الأعمال، التي تُعد جميعها ضمن بيروت الثانية حيث يترشّح مخزومي.
علماً أنّ المبادرة ليست جديدة على mtv، فقد اشتهرت منذ سنوات بإطلاقها تطبيقاً يبلّغ عبره المستخدم عن مكان وجود الجورة كي تطمرها القناة. هناك أيضاً جمعيّات تتولّى إنارة الطرقات، مثل «مبادرة طرقات آمنة» وRebirth وBrain.
من جهته، يرحّب مؤسّس «يازا» زياد عقل بأيّ مبادرة تحسّن السلامة على الطرقات من أيّ جهة أتت. لكنّ ذلك لا يلغي أهمّية وجوب أن تكون الدولة تقوم بمسؤوليّاتها لتغني عن الحاجة إلى مبادرات تسويقية من هذا النوع.

