
مساء غدٍ السبت، تلتقي صيدا القديمة مع الموسيقى في أمسية يقدّمها عازف العود زياد الأحمدية بعنوان «من… إلى…» في فضاء «حمّام الجديد» الأثري. اختيار هذا المكان يفتح مجالاً لتفاعل خاص بين العمارة التاريخية وصوت العود، بما يحمله من تراكم موسيقي متجذر في الثقافة العربية.
العود منفرداً: الصوت الأول
الأحمدية، المعروف بارتباطه الوثيق بآلة العود، يصعد إلى الخشبة وحيداً، مكتفياً بصوته وآلته. يوضح في حديثه معنا أنّ البرنامج صُمم ليتلاءم مع آلة العود المنفرد: «انتقيت المقطوعات والأغنيات بشكل يتناسب مع آلة العود المنفرد، لأنني سأكون وحدي على المسرح وسأغني سولو».
في هذا الخيار مواجهة مباشرة بين المؤلف والجمهور، حيث تنكشف الموسيقى من دون مرافقة أو طبقات إضافية.
ستقدّم الأمسية للمستمع فسحة للتنقل بين ألوان موسيقية متعددة: الموشحات، الطرب الصوفي، الفالس، المقطوعات التجريبية، الموسيقى الشرقية والإيقاعية. كل لون يشكّل محطة ضمن الرحلة التي أرادها الأحمدية متغيرة ومتنوعة.
«من… إلى…» فلسفة التنقل
جاء اختيار العنوان ليظهر حركةً مستمرة بين محطات موسيقية وفكرية. يقول الأحمدية: «أحببت أن يكون هناك تنويع في التأليفات، فسنسمع مقطوعات طربية، تجريبية، إيقاعية وشرقية، كي لا تكون الحفلة متشابهة». هذا التنويع يرتبط بالأمسية وبمسار الفنان معاً، حيث يطل من خلال العود على ثقافات موسيقية مختلفة.
فهو متأثر بالمدارس الكلاسيكية الغربية والجاز واللاتينية والإسبانية، ويبحث دائماً عن إمكانات تجعل العود قادراً على محاكاة تجارب غير مألوفة في السياق العربي، من دون أن يفقد العود طابعه الأصيل. يحتلّ الارتجال مكانةً مركزية في رؤية الأحمدية. في بعض المقدمات، ستكون هناك تقاسيم على المقام، وفي مقطوعات أخرى تظهر نزعة قريبة من روح الجاز، حيث تتشكل المساحة الحرة داخل العمل المؤلف. هذا التوازن بين المكتوب والمرتجل يضفي على الحفلة طابعاً حيّاً يضيف خصوصية لكل أمسية.
تكمن أهمية الأمسية أيضاً في بُعدها المكاني. «حمّام الجديد» الأثري يمنح العرض طاقة مختلفة، كما يقول الأحمدية: «نحن نعزف في مكان أثري فيه طاقة جميلة. والجمهور سيجلس في أجواء هادئة بلا دخان أو ضجيج، فيستطيع التلقي بصفاء». هكذا يصبح اللقاء حواراً مباشراً بين المؤلف ومستمعيه، حيث تُقدَّم الألحان بصدق كامل على أمل أن تصل كما وُلدت.
إلى جانب هذه الحفلة، يعمل الأحمدية على أكثر من مشروع. فقد كشف لنا عن تعاون جديد مع الفنانة أميمة الخليل والملحن هاني سبليني، إضافة إلى عمل مع فرقة Lucern Beirut Connection التي تجمع موسيقيين لبنانيين وسويسريين.
نتج من التعاون ألبوم سُجّل في سويسرا عام 2024، وتستعد الفرقة لتقديم حفلة في بيروت في 18 تشرين الأول (أكتوبر)، ثم جولة في سويسرا في شباط (فبراير) المقبل. هذه المبادرات تشير إلى سعي الأحمدية إلى بناء تجربة موسيقية متصلة بجذورها، ومنفتحة على العالم في الوقت نفسه.
هوية التجربة
عندما سألناه عن خصوصية تجربته، شدّد الأحمدية على أنّه ابن المقام والإيقاع العربي، لكنه يحرص على اكتشاف عناصر جديدة من ثقافات أخرى. يقول: «أحب أن أفكر كيف يمكنني أن آخذ العود ليعزف تجارب مختلفة عما اعتدنا على سماعه وبذات الوقت أن لا نشوّه آلة العود». من هنا تنبع فرادة مشروعه.
يرى الأحمدية أنّ للموسيقى وظيفة أعمق من الترفيه، مضيفاً: «هدفي أن أذكّر الجمهور أنّ عليه أن يتعرف دوماً إلى أشياء جديدة وأن يذهب للاستماع إلى الموسيقى. من غير المقبول أن يبقى الفنانون يكررون الأغنيات والإيقاعات نفسها».
ويستشهد بتجربة الموسيقي الراحل زياد الرحباني الذي تعامل مع المقطوعة كمساحة للتفكير والتجريب، بعيداً من إرضاء الذائقة السريعة. في هذا السياق، يضع الأحمدية مشروعه امتداداً لتلك الروح، حيث يُقدَّم العمل الموسيقي كفكرة متكاملة تحمل رؤية خاصة.
في أمسية «من… إلى…»، يضع زياد الأحمدية العود في قلب التجربة، متنقلاً بين ألوان موسيقية متعددة ومقامات متباينة من داخل فضاء «حمّام الجديد» في صيدا القديمة.
تظهر الأمسية قدرة الآلة على ملامسة أنماط موسيقية متنوعة مع الحفاظ على هويتها الشرقية، وتمنح الجمهور فرصة للتعرّف إلى مشروع فني يهدف إلى إبراز العود كأداة منفتحة على العالم، من دون أن تفقد جذورها.
* «من… إلى…»: غداً السبت - الساعة 8:30 مساءً - «حمّام الجديد» (صيدا القديمة). للاستعلام: 81/282848

