
وقف ذلك الرجل العجوز أمام زجاج غرفته، يُعيد شريط ذكرياته إلى أيام التخفي في إحدى القرى البريطانية، هرباً من الإجرام النازي. في أحد أحاديثه مع حارستيه، شرح عالم الفيزياء ألبرت أينشتاين صعوبة تحوّل كمية ضئيلة من كتلة إلى طاقة هائلة، لعدم قدرة العلماء في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، تجاوز التحديات التكنولوجية والمعرفية المرتبطة بالسيطرة على الانشطار النووي. بالنسبة إليه، كان الأمر مؤجلاً إلى مستقبل بعيد، وربما أجيال لاحقة.
رغم أن معادلته الشهيرة E=mc² شكّلت الأساس النظري لفكرة الطاقة الذرية، وبالتالي للسلاح النووي، غير أنّ أينشتاين نفسه لم يكن يتخيّل أن يرى في حياته تحوّل هذه النظرية إلى سلاح فعلي استُخدم في الحرب العالمية الثانية.
في مقال نشرته مجلة The Atlantic الأميركية في تشرين الثاني (نوفمبر) 1945، قدّم أينشتاين روايته الخاصة عن علاقته غير المباشرة بالقنبلة النووية. وأكد أنه لم يعتبر نفسه «أب» الطاقة الذرية، وأن دوره كان نظرياً فقط. حصر مسؤوليته في إنتاج القنبلة النووية، بتوقيعه الرسالة الشهيرة إلى الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت في الثاني من آب (أغسطس) عام 1939، المحذّرة من إمكانية تطوير ألمانيا النازية لسلاح نووي.
خشي أينشتاين من أن يؤدي التقدم العلمي والتكنولوجي، وخصوصاً الأسلحة النووية، إلى كوارث لا مثيل لها، قد تُدمّر الحضارة. وقد حذّر من مخاطر استخدام القوة العلمية غير المنضبطة في الحروب، داعياً إلى أساليب تفكير جديدة وتعزيز السلام العالمي لتجنّب هذه «الكوارث غير المسبوقة».
لم يلتفت العالم إلى هذا التحذير عند تجربة القنبلة في صحراء ألاموغوردو المكسيكية في تموز (يوليو) عام 1945، بل قتل أكثر من 80 ألف شخص في هيروشيما وناغاراكي في آب (أغسطس) من العام نفسه. عاد العالم إلى أينشتاين، الذي مهّد لهذه القنبلة باكتشاف علمي غيّر مفهوم العالم.
معاً من أجل فلسطين
مع اقتراب الذكرى الثانية لعملية طوفان الأقصى، أفاق العالم على المجزرة المستمرة في قطاع غزة. ولو أتى التحرك متأخراً، فقد شهدت العاصمة البريطانية لندن الأسبوع الفائت، واحدة من أبرز الفعاليات التضامنية الفنية والإنسانية هذا العام مع إقامة الحفلة الخيرية الضخمة «معاً من أجل فلسطين» على مسرح «أرينا ويمبلي»، حيث توافد آلاف المشاركين لمتابعة عروض موسيقية ورسائل إنسانية جمعت بين أصوات عالمية بارزة وفنانين فلسطينيين شباب، في مشهد حمل بُعداً رمزياً يربط بين الفن والالتزام الأخلاقي تجاه الإبادة المستمرة في غزة.
وقد تولى الموسيقي البريطاني بريان إينو الإشراف على الحفلة، مؤكداً على أنّ الفن لا يكتفي بالإمتاع، وإنما يمكنه أن يكون أداة لمواجهة الظلم وكشف معاناة الشعوب، فيما جاءت مشاركة وجوه سينمائية وموسيقية من العالم العربي والغرب لتؤكد على أنّ فلسطين أصبحت اليوم في صميم الضمير العالمي.
دعوة إلى مقاطعة إسرائيل
لم تقتصر الحفلة على الغناء والموسيقى، بل تحوّلت إلى منصة لتجديد الدعوة إلى مقاطعة إسرائيل ثقافياً وفنياً، في سياق مشابه للحملات العالمية التي استهدفت نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا قبل عقود.
فالفنانون والمثقفون الذين صعدوا إلى المسرح لم يكتفوا بإحياء سهرة فنية، بل قدموا مواقف سياسية وإنسانية واضحة، داعين إلى الضغط الشعبي لمواجهة صمت الحكومات الغربية ورفضها فرض عقوبات على إسرائيل.
-
مع اقتراب الذكرى الثانية لعملية طوفان الأقصى، أفاق العالم على المجزرة في المستمرة في قطاع غزة
وقد ربطت كلمات بعض المشاركين بين وعد بلفور ومسؤولية بريطانيا التاريخية عن مأساة الفلسطينيين، وبين ما يجري اليوم من إبادة جماعية متواصلة خلّفت عشرات الآلاف من الشهداء والمصابين، معظمهم من الأطفال والنساء.
شارك في الحفلة فنانون فلسطينيون مثل إليانا، وسانت ليفانت، وسما عبد الهادي، وفرج سليمان وناي البرغوثي، ما أضاف نكهة خاصةً، إذ امتزجت الأغاني الفلسطينية الحديثة والكلاسيكية بنداءات التضامن ورسائل الصمود، فيما قدّم فنانون عالميون أمثال جيمس بليك، وفلورنس بيو، وجميلة جميل مساهمات عززت البُعد العالمي للقضية. كذلك، حضر ناشطون وأطباء وصحافيون تحدثوا عن صمود الفلسطينيين في مواجهة آلة الحرب، لتصبح الفعالية مساحةً للتلاقي بين الفن والشهادة الإنسانية.
الصمت لم يعد ممكناً
شكّلت الحفلة جزءاً من حركة ثقافية آخذة في الاتساع لمقاطعة إسرائيل، سواء في السينما أو الموسيقى أو الرياضة. فقد وقّع مئات الفنانين والسينمائيين عرائض تؤكد رفض التعامل مع مؤسسات إسرائيلية متورطة في جرائم الحرب. هذا التحول في مواقف نجوم هوليود والموسيقيين الغربيين، الذين دائماً ما تردّدوا في انتقاد إسرائيل، يعكس إدراكاً متزايداً بأن الصمت لم يعد ممكناً أمام صور المجاعة والقصف والقتل الجماعي في غزة.
هل كنا نحتاج إلى كل
هذا الدم ليعي العالم
أنّ في فلسطين احتلالاً؟
لم يلتفت العالم إلى المجزرة في غزة إلا بعد سقوط أكثر من 65 ألف شهيد، يتسابق قادة الدول إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية بعدما دُمِّرت غزة، وتوسع الاحتلال في الضفة الغربية، بتمويل من حكومات هذه الدول نفسها. هذا الغرب نفسه برّر للاحتلال مجزرة «مستشفى المعمداني»، وما تبعها من استهدافات لمستشفيات أخرى، وقتل الغزيين في أسرّتهم، بذريعة «حق إسرائيل بالدفاع عن نفسها».
«اليهودي الأبدي»
عام 1940، وتحت إشراف وزير الدعاية النازي جوزيف غوبلز، أُنتج واحد من أكثر الأفلام دعائيةً وكراهية في التاريخ: فيلم «اليهودي الأبدي» (Der Ewige Jude) من إخراج فريتس هيبلر. هذا الفيلم لم يكن مجرد عمل سينمائي، بل أداة رئيسية في الحرب النفسية والإعلامية التي شنّها النظام النازي ضد اليهود، بهدف تهيئة الرأي العام الألماني والأوروبي لتقبّل سياسات التمييز والإبادة.
قدّم الفيلم اليهود على أنهم تهديد عالمي، إلى جانب الطاعون والأمراض. فقد قارن المخرج والمعلّق الصوتي بين اليهود وبين الجرذان التي تحمل الأوبئة وتخرج من المجاري لتدمّر الحقول وتفسد المدن. في أحد المشاهد الشهيرة، عُرضت لقطات لليهود في حياتهم اليومية جنباً إلى جنب مع مشاهد للجرذان وهي تتكاثر وتنتشر، في محاولة لصناعة صورة ذهنية مفادها أنّ وجود اليهود يشبه تفشي وباء قاتل.
لم يكتفِ الفيلم بطرح هذه المقارنة الحيوانية، بل وسّع خطابه ليضع اليهود في صلب ما اعتبره «الأخطار الثلاثة الكبرى التي تهدد العالم»: اليهود كـ «عرق طفيلي» يتغلغل في المجتمعات، الطاعون والأمراض التي تفتك بالبشرية، الشيوعية التي قدّمها الفيلم على أنها مؤامرة يهودية لتقويض الحضارات.
اعتمد «اليهودي الأبدي» على أسلوب وثائقي زائف، إذ استُخدمت كاميرات خفية لتصوير اليهود في بولندا بعد الاحتلال النازي، ثم جرى عرض الصور بطريقة مجتزأة ومحرّفة لتأكيد خطاب الدعاية. ولتعزيز التأثير العاطفي، أُرفقت المشاهد بتعليق صوتي حاد وموسيقى تصويرية مشحونة، تُبرز اليهود ككيان دخيل لا يمكن التعايش معه.
ورغم أن الفيلم فشل تجارياً في صالات العرض، إلا أنه عُرض إجبارياً على جنود الجيش الألماني وعلى بعض الجماهير في المناطق المحتلة، ما ساعد في ترسيخ الصورة النازية لليهود كـ «وباء عالمي» يجب القضاء عليه. وبعده، أتت المحرقة التي لا تزال ألمانيا تحاول التخلص من ثقلها في تاريخها.
غزة مرآة عالمية تعكس نفاق القوى الكبرى
من شرفة غرفة عالم عبقري يتأمل مآلات نظريته العلمية، إلى مسرح تضامني ينبض بالفن والمقاومة في لندن، تتقاطع خيوط التاريخ لتكشف كيف يمكن للعلم والفن والدعاية أن تتحول إلى أدوات للقتل أو للكرامة، بحسب من يملكها ولأي غاية.
لم يتخيل أينشتاين أن رمزه العلمي سيُترجم إلى نار تسقط على رؤوس الأبرياء، كما لم يدرك قادة المقاومة في غزة أن الطوفان سيؤدي إلى هذه المجزرة. واليوم، بعدما تحوّلت غزة إلى مرآة عالمية تعكس نفاق القوى الكبرى، خرج الفنانون ليُعيدوا الاعتبار للضمير الإنساني.
في مواجهة آلة إبادة يستعيد العالم وعيه تدريجاً، تماماً كما فعل بعد سقوط القنبلة الأولى. وقد لا تمحو الحفلات الموسيقية أو العرائض الثقافية آثار المجازر، لكنها ترسم بداية تحوّل في الرأي العام، وتنزع عن الاحتلال شرعيته الأخلاقية.
وكما فشلت الروايات النازية في النجاة من حكم التاريخ، ستفشل كل محاولات تجميل الجريمة المستمرة في فلسطين. ورغم محاولات إسرائيل اليوم تلميع صورتها في الغرب، تبقى الإبادة أوضح من أي آلة دعائية. ولكن هل كنا نحتاج إلى كل هذا الدم ليعي العالم أنّ في فلسطين احتلالاً؟

