أسبوع الأفلام اللبنانية في «متروبوليس»: من بيروت إلى الجنوب... كاميرا تحكي وجع البلاد!
من 8 إلى 14 تشرين الأول (أكتوبر) ، تقدّم سينما «متروبوليس» في بيروت فرصة لإعادة مشاهدة أفلام لبنانية عُرضت سابقاً، لكن بعضها لم يأخذ حقه


منذ جائحة كورونا عام 2019، عانى لبنان من تمزّق تلو الآخر: انهيار اقتصادي، تدهور البنية التحتية، انفجار مرفأ بيروت، حرب، ونظام ثقافي يلهث بحثاً عن الهواء.
السينما اللبنانية، الهشة أصلاً، ازدادت تشرذماً بسبب نقص التمويل، والرقابة، والهجرة، وغياب الصناعة المستدامة. مع ذلك، يواصل المخرجون النضال، ليس فقط لصنع الأفلام، بل لإيجاد معنى. من حين إلى آخر، يظهر فيلم لبناني يخترق الصخب، رغماً عن كلّ شيء.
أفلام تستحق المشاهدة
من 8 إلى 14 تشرين الأول (أكتوبر) 2025، تقدّم سينما «متروبوليس» في بيروت فرصة لإعادة مشاهدة أفلام لبنانية عُرضت سابقاً لكن بعضها لم يأخذ حقه، سواء بسبب التوقيت، أو فجوات التوزيع، أو فوضى اللحظة.
أصبحت السينما اللبنانية، بالضرورة، فعلاً من أفعال الصمود. كل فيلم يصنع في ظل هذه الظروف هو معجزة صغيرة. لكن الصمود وحدة ليس إستراتيجية. نحتفل بهذه الأفلام نعم، لكن ألا يتحول الاحتفال إلى رضى.
نحن بحاجة إلى الأفضل، إلى المزيد، إلى مساحة أكبر، والمزيد من التفاعل النقدي. وعلينا أيضاً أن نتجاوز تصدير الصدمات. تُختزل السينما اللبنانية بجراحها، تسوّق عبر المعاناة، وتُقيّم عبر الانهيار. لكن لبنان ليس مجرد موقع كارثة، وبيروت ليست مجرد خلفية للحزن. لدينا قصص تلهم، وتتجاوز الألم واللحظة. لدينا حيوات تستحق أن تُروى. فلنروِ قصصنا، جميعها. فلنبنِ سينما تعكس تعقيدنا لا ألمنا فقط.
بيروت ميشال كمون ومحمد دايخ
يبدأ أسبوع Catch it Again في «متروبوليس» بفيلم «بيروت هولدم» (8 تشرين الأول ــ 7 مساء). بعد أكثر من عقد على باكورته «فلافل»، عاد ميشال كمّون عام 2021 بفيلمه الروائي الثاني «بيروت هولدم»، ليسرد لنا يوميات زيكو (صالح بكري) الذي أُطلق سراحه للتوّ من السجن، فيحاول بناء حياته من جديد. خسر زيكو شقيقه خلال وجوده في السجن بسبب سباق درّاجات غير قانوني. عند خروجه، يحاول استعادة حبيبته كاول (رنا علم الدين)، ويلتقي بأصدقائه (فادي أبي سمرا، زياد صعيبي وعصام بو خالد)، ويحاول فعل ما يجيد فعله.
ينسج كارلوس شاهين فيلمه على خلفية التوترات السياسية والطائفية
في بلد يقف على حافة الانهيار، يصبح البقاء نفسه مقامرةً، والعيش اليومي لعبة روليت عبثية. هل تمنحه بيروت فرصة ثانية، أم تتركه يدور في حلقة الاحتمالات الخاسرة؟ في اليوم نفسه (الساعة التاسعة)، يُعرض «هردبشت»، للمخرج محمد دايخ. في الفيلم، تعيش أمّ مع أولادها الثلاثة في أحد أحياء بيروت المهمّشة، حيث ينغمس الشقيقان الأكبران في تجارة المخدرات، بينما يحاول شقيقهما الأصغر التمسّك بتديّنه وسط هذا الواقع المنحرف. لكن في غياب الخيارات، يُجبَر على الانخراط في عالمهما، فتدخل العائلة دوامةً من الفوضى والانهيار، حيث تتداخل السلطة العائلية مع الجريمة، ويصبح البقاء نفسه معركةً يومية.
طائفية وإقطاع وتلوّث
في باكورته الروائية الطويلة، ينسج كارلوس شاهين فيلمه «أرض الوهم» (9 تشرين الأول ـــ الساعة 7 مساءً)، على خلفية التوترات السياسية والطائفية التي عصفت بلبنان عام 1958، متقاطعاً مع ثورات فردية ضد الإقطاع والأبوية. في قرية نائية خلف أحد جبال لبنان، بعيداً من ضجيج بيروت، يستعيد شاهين طفولةً مشبعة بالأسئلة، ويبني فيلمه كبيان شخصي عن ماضي الوطن وحاضره واحتمالات مستقبله.
يعتمد سطحاً سردياً هادئاً، لكنه سرعان ما يتشقق تحت ضغط الكبت والغضب والكآبة، في مناخ مشحون بالطائفية والإقطاع، حيث تتصاعد التوترات تدريجاً نحو انفجار محتوم. بنبرة تتأرجح بين الدراما والتحليل النفسي والسياسي والديني، يغوص الفيلم في الموروثات التي تشكّل وعينا، عبر شخصيات عادية تواجه خيارات أخلاقية قاسية وسط حرب تلوح في الأفق.
وفي «كوستا برافا» (9 تشرين الأول ــ الساعة 9 مساءً) لمنية عقل، هربت عائلة بدري من التلوّث الخانق والاضطرابات الاجتماعية في بيروت، بحثاً عن ملاذ في الجبال، حيث بنت لنفسها بيتاً يشبه اليوتوبيا، بعيداً من الفساد والانهيار. لكن هذا الحلم الهشّ يتصدّع حين يُقام مكبّ نفايات ضخم على حدود منزلهم، جالباً معه نفايات البلاد كلها، ورمزياً، فسادها أيضاً.
تفاوت طبقي وفساد
وفي فيلم وسام شرف «حديد نحاس بطاريات» (10 تشرين الأول ـ الساعة 7 مساءً) يواجه العشاق عقبات متزايدة أمام سعادتهم. ما يبدأ كقصة حب رقيقة يصبح في النهاية سرداً جميلاً ومؤرقاً للفردية في عالم مدفوع إلى حافة العقل بسبب عدم المساواة الاجتماعية والثقافية. يقدم شرف فيلماً غير مألوف في السينما اللبنانية. يقف فيلم «حديد نحاس بطاريات» بثبات سردي ونفسي، متبنّياً أسلوباً متقشّفاً يشبه أفلام آكي كوريسماكي، حيث الاقتصاد في الحوار، والرهان على الإيماءة. كل مشهد يحمل فكرة، وكل فكرة تقود نحو ذروة تؤكد على الحياة، لا على نهايتها.
وبعد فوزه بالسعفة الذهبية لأفضل فيلم قصير عن «موج ٩٨» في «مهرجان كان» عام 2015، قدّم المخرج اللبناني إيلي داغر فيلمه الروائي الأول «البحر أمامكم» (10 تشرين الأول ـــ الساعة 9 مساءً) عام 2021. عودة حملت في طياتها نضجاً بصرياً وتوتراً داخلياً أكثر تعقيداً. بين الفيلمين، تظل بيروت حاضرة ككائن رمادي، مدينة أبوكاليبتية محجوبة عن الضوء، تتنفس بالكاد، وتعيش كأنها في حالة احتضار معلّق. في «البحر أمامكم»، تعود جنى من باريس إلى بيروت بعد سنوات من الغياب، لكن العودة ليست مجرد انتقال جغرافي، بل شرخ داخلي يفتح الباب أمام سلسلة من الأسئلة والانفعالات والصور. المدينة التي تركتها لم تعد كما كانت، أو ربما لم تكن يوماً كما تخيّلتها.
-
حسين قاووق في فيلم «هردبشت»
الرجوع هنا ليس إلى الوطن، بل إلى الفراغ، إلى مدينة فقدت ملامحها، وإلى ذات تبحث عن معنى وسط الركام. لا يقدّم الفيلم بيروت كخلفية، بل كحالة نفسية، كمرآة مشروخة تعكس التمزّق الداخلي لجنى، ولجيل بأكمله. إنه عمل يتأرجح بين الحنين والانفصال، بين الرغبة في الانتماء والخوف من التورّط، حيث كل مشهد يحمل طبقة من الكآبة، وكل لحظة تفتح جرحاً جديداً في الذاكرة.
يدور فيلم دانيال حبيب «كوبرا» (11 تشرين الأول ـــ الساعة 7 مساءً)، في مدينة ينهشها الفساد وتحكمها عصابات، حيث القتل يُرتكب بدمٍ بارد والقانون غائب، ومنها تخرج شابة من الظلال، حاملةً وعداً بالانتقام. لا تسعى إلى العدالة فقط، بل إلى تفكيك منظومة الخوف التي زرعها أقوى وأخطر مجرم في المدينة.
أما فيلم «البحر وموجاته» (11 تشرين الأول ـــ الساعة 9 مساءً) فيدور في ليلة يكتمل فيها القمر، حيث تصل الشابة نجوى والموسيقي منصور إلى بيروت، تلك المدينة التي تتنفس على إيقاع الخطر. يتتبّعان خطى المهربين، في محاولة للعبور والانضمام إلى امرأة تنتظرهما على الضفة الأخرى من البحر. وفي مكان غير بعيد، بين الأزقة المعتمة، يحاول سليم، حارس المنارة المتقاعد، أن يُعيد النور إلى حيّه عبر إصلاح الكهرباء.
عنف أهلي وحرب إسرائيلية
المخرج اللبناني إيلي خليفة، يقدم فيلماً عن صناعة الأفلام في «قلتلّك خلص» (12 تشرين الأول ــ الساعة 7 مساءً). يعيش صانع أفلام شغوف في بيروت، في لحظة من الإلهام المحموم، تتدفّق عليه رؤى متناقضة، فتتشكّل شخصياته في ظروف قاهرة وغير مألوفة، كأنها انعكاس لاضطرابه الداخلي. بحثاً عن صفاء ذهني، ينطلق شمالاً، حيث من المقرر عرض أفلامه القصيرة في مدرسة عامة ريفية.
لكن الرحلة التي بدت في ظاهرها مهنية، تتحوّل إلى سلسلة من المواجهات والانكشافات، تقلب عالمه رأساً على عقب، وتدفعه إلى إعادة النظر في ذاته، وفي معنى أن تكون صانعاً للصور في بلد تتقاطع فيه الطرقات مع الأسئلة الوجودية.
ويروي فيلم «بركة العروس» (12 تشرين الأول ـــ الساعة 9 مساءً) لباسم بريش، محاولة امرأتين بناء حياة من ركام وعود الماضي، ويستعيد الخيوط التي نسجت علاقتهما ذات يوم. الأم سلمى اختارت أن تنجو من ماضيها عبر هروب موجع من القيود التي كبّلتها، بما فيها رباط الأمومة الذي جمعها بابنتها ثريّا. لكن الماضي لا ينسى، إذ يُعيد إليها ثريّا، منهكة، مطلّقة، وحامل. تتصدى المرأتان لهذا اللقاء المرتبك، قبل أن تدركا، على مضض، أنّ الخيبة التي تتشاركانها باتت الرابط الوحيد المتبقي بينهما.
وفي «1982» (13 تشرين الأول ـــ الساعة 7 مساءً) لوليد مونس، تنساب القصة ببراءتها، إذ يقدم الشريط رؤية للحياة بعيون الأطفال وصراع الحروب بعيون الكبار.
في الرابع من آب (أغسطس) 2020، انفجر مرفأ بيروت مدمّراً جزءاً كبيراً من العاصمة اللبنانية. وسط الكارثة، قرّر فريق تصوير لبناني مواصلة العمل على فيلمه (كوستا برافا) رغم كل العقبات. يكشف وثائقي «على حافة البركان» (13 تشرين الأول ــ الساعة 9 مساءً)، لسيريل عريس، كيف تمكنت منية عقل وفريق الفيلم من الانتهاء منه رغم كلّ ما حصل.
يدور فيلم «جدار الصوت» (14 تشرين الأول ـــ الساعة 7 مساءً) لأحمد غصين، عام 2006. بينما الحرب مستعرة في الجنوب اللبناني، ينطلق مروان في فترة الهدنة بحثاً عن والده الذي رفض مغادرة قريته الجنوبية ويترك زوجته رنا تستعد وحدها للهجرة إلى كندا. لا يعثر مروان على أثر لوالده، وسرعان ما يُخرق وقف إطلاق النار، ما يضطره إلى اللجوء إلى منزل نجيب، صديق والده. يجد مروان نفسه محاصراً تحت وابل القنابل مع نجيب ومجموعة من أصدقاء والده، وتشهد الأيام الثلاثة التالية خروج الوضع عن السيطرة.
وفي فيلم كلوي مازلو «تحت سماء أليس» (14 تشرين الأول ـــ الساعة 9 مساءً)، نعود إلى بيروت الخمسينيات، حيث أليس (ألبا روهراوشر) الهاربة من عائلتها في الجبال السويسرية، تأتي للعمل في لبنان. ترتبط بطالب الفيزياء الفلكية الشاب جوزيف (وجدي معوض) الذي يطمح إلى صنع صاروخ لإرسال أحد رفاقه إلى الفضاء. اللقاء، الحب، الزفاف، ولادة الابنة، العمل، كل شيء يمر بسرعة وبسعادة حتى يوم 13 نيسان (أبريل) 1975، عندما تندلع الحرب الأهلية. يتصاعد العنف في لبنان بينما سؤال المغادرة أو البقاء يؤدي إلى ظهور خلافات عميقة بين الزوجين.
Catch it Again: من 8 إلى 14 تشرين الأول (أكتوبر) ــــ سينما «متروبوليس» (مار مخايل ـ بيروت) ـ للاستعلام: للاستعلام: 01/202540
