أنطونان بيرنانوس يوثّق نضال جورج عبدالله

عندما يُسأل المناضل والصحافي الفرنسي أنطونان بيرنانوس عن سبب اعتقاله لثلاث سنوات في فرنسا، يصمت لثوانٍ، ثم يجيب بسخرية: «بسبب تظاهرة».
واقع السجون والنظام القضائي في فرنسا يضمن حرية الرأي والتعبير ضمن حدود ما يتوافق مع القرار السياسي الفرنسي والضغط الأميركي والإسرائيلي. وبفعل هذا النفوذ، قضى جورج إبراهيم عبدالله 41 عاماً في السجون الفرنسية، فيما واجه بيرنانوس حكماً بالسجن خمس سنوات لمشاركته في تنظيم تظاهرة.
هذا الواقع يسعى بيرنانوس وأوليفييه بيزانسنو إلى تسليط الضوء عليه عبر وثائقي قصير يروي قضية عبدالله وتجربته في السجون الفرنسية.
قمع سلطوي
أُوقف بيرنانوس مرتين في فرنسا: المرة الأولى كانت ضمن حراك اجتماعي ضد قانون العمل عام 2016، حين اعترضت بعض المجموعات الشبابية على إصلاحات اجتماعية، فيما كانت مجموعات أخرى تحتجّ على عنف الشرطة وجرائمها.
شهدت تلك الاحتجاجات مواجهات عنيفة مع الشرطة في باريس، وقد اتُّهمت المجموعة السياسية التي ينتمي إليها ــ «أنتيفا» ـــ في قضية ملفقة من أجهزة الاستخبارات التابعة لمديرية الشرطة، حول إحراق سيارة للشرطة أثناء التحركات. أوقف يومها بيرنانوس، وصدر بحقه حكم بالسجن خمس سنوات، منها سنتان مع وقف التنفيذ. وقد استُخدمت هذه القضية كذريعة لقمع المجموعات الأكثر نشاطاً داخل الحراك الاجتماعي آنذاك. وهذه حالة كلاسيكية في فرنسا لقمع النشطاء السياسيين، وفقاً لما يقول لنا بيرنانوس.
أما المرة الثانية، فكانت أثناء تظاهرات شاركت فيها حركات يسارية راديكالية، من بينها «أنتيفا»، إضافة إلى مجموعات يمينية فاشية. وحدث خلاف حول قيادة الاحتجاجات، كما وقعت مواجهات مع المجموعات اليمينية المتطرفة، فتم اعتقاله مجدداً.
يقول بيرنانوس في حديثٍ مع «الأخبار» إن الدولة الفرنسية تمتلك هيكلاً ديموقراطياً، لكنها ليست دولة ديموقراطية فعلياً عندما يتعلق الأمر بالتحركات الاجتماعية، ويضيف: «تقمع الدولة بشدة الحركات الاحتجاجية، سواء كانت اجتماعية تقليدية، أو تحركات مثل «السترات الصفر»، أو احتجاجات من قطاعات شعبية».
ويرى أنّ هذا القمع ينبع من عنصرية متجذرة في النظام، ومن الإسلاموفوبيا. فالسجون الفرنسية مكتظة، «هناك 84 ألف موقوف في فرنسا، وهو رقم ضخم مقارنةً بدول أخرى، وغالبية الموقوفين من أصحاب البشرة السوداء، أو من العرب والمسلمين، إضافةً إلى مناضلين اجتماعيين مثلنا ومثل جورج إبراهيم عبدالله، لكننا نشكل الأقلية»، يقول بيرنانوس.
يشير إلى أنّ غالبية السجناء من الفقراء والمناطق الشعبية، وهم يعانون من قمع السلطة الفرنسية، ويضيف: «نعيش في ظل نظام قضائي وأمني قمعي وعنصري، يتجلى في عنف الشرطة المتكرر داخل الأحياء، والسجن الجماعي للشباب من تلك المناطق».
من الشخصي إلى العام
يعمل بيرنانوس وبيزانسنو على ثلاثة وثائقيات قصيرة عن لبنان. الأول ذو خصوصية من منطلق شخصي ونضالي، إذ يتناول قضية جورج إبراهيم عبدالله، وتجربته في السجن الفرنسي. يقدم الوثائقي تحليل عبدالله الجيوسياسي للعالم اليوم، وحركات التضامن مع فلسطين، وكيفية تنسيق عملها بين دول الشمال والجنوب، وخصوصاً مصر التي يعتبرها دولةً محوريةً في إمكانية تحرّر الشعب الفلسطيني. وسينشر هذا الفيلم بشكلٍ منفصل في نهاية شهر تشرين الأول (أكتوبر) على منصة «بلاست» الفرنسية.
العنصرية في فرنسا متجذرة في طبيعتها الاستعمارية
الجزء الثاني يتناول تاريخ اليسار اللبناني «الذي يُعد مثيراً للاهتمام من الناحية التاريخية، لكنه تراجع بشكل حاد اليوم». والموضوع الثالث يتعلق بملف نزع سلاح «حزب الله»، إذ يشير بيرنانوس إلى أن هناك اعتقاداً سائداً في فرنسا بأنّ الحرب الإسرائيلية على لبنان انتهت بعد 66 يوماً، في حين لا يدرك كثيرون أنّ الحرب لا تزال مستمرة، وقد بدأت فعلياً في 8 تشرين الأول (أكتوبر) 2023، بل حتى قبل هذا التاريخ، بحسب قوله.
ويضيف: «ما نحاول قوله عبر هذا الطرح، أنّ نزع سلاح الحزب سيؤدي إلى السيطرة الإسرائيلية على المنطقة. كما نسعى إلى توضيح من هي القوى الإمبريالية، مثل فرنسا، والولايات المتحدة، وإسرائيل، التي تؤثر في السياسة الداخلية في لبنان». ويشير بيرنانوس إلى أنّ الجمهور الفرنسي يفتقر إلى المعرفة بما يجري، فهو يعتبر الحزب تنظيماً إرهابياً، وبالتالي فإن نزع سلاحه يُعد في نظره خطوةً جيدة وشرعيةً، في حين أنّ هدف الوثائقي هو إظهار العكس.
تشابه التجارب
التقى بيرنانوس بجورج إبراهيم عبدالله في لبنان في سياق العمل على الوثائقي. يشير إلى أوجه التشابه بين تجربتي اعتقالهما، وأولها الطابع السياسي: «عبدالله مناضل شيوعي، ونحن مناضلون شيوعيون أيضاً وضد الفاشية. أما خصوصية بقاء عبدالله معتقلاً، فتكمن في الضغوط الأميركية والإسرائيلية التي أُبقي على إثرها في السجن لسنوات، فيما نتعرض نحن للقمع المباشر من قبل السلطة الفرنسية المتواطئة في الإبادة المستمرة في غزة، والمتواطئة أيضاً مع النظام الصهيوني الإسرائيلي».
ويؤكد بيرنانوس أنّ هناك قمعاً مضاعفاً في فرنسا تجاه المناضلين والحركات الاحتجاجية، وتحديداً أولئك الذين يقفون ضد الإمبريالية والعنصرية، مشيراً إلى أنّ العنصرية في فرنسا متجذرة في طبيعتها الاستعمارية. ويختم بالقول: «حين جاء جورج إبراهيم عبدالله إلى فرنسا، كان هدفه محاربة هذا النظام الكولونيالي الفرنسي، وتحالفه القائم مع الكيان الإسرائيلي». وهنا يلتقي نضالهما.
السجن مصدر ربح رأسمالي
دائماً ما استخدمت الأنظمة السجون للقمع والاستغلال. في أربعينيات القرن التاسع عشر، جُرِّم الفقراء الذين اعتادوا جمع الحطب الساقط من الغابات، مع توسّع الخصخصة في راينلاند، وتحوّل عملهم إلى جريمة بحكم القوانين، بهدف حماية مصالح مالكي الغابات.
وقد اقتُرح أن يعمل «لصوص الحطب» في أشغال قسرية لمصلحة المالكين أنفسهم الذين صادرت القوانين حقوقهم. تقليدياً، كان جمع الحطب الساقط يُعدّ حقاً عاماً لأنّ الحطب الميت لم يعد «ملكاً» للشجرة. لكن مع تشديد القوانين، أصبح حتى هذا المورد الطبيعي البسيط سلعةً مرتبطة بحق الملكية الفردية. هذا يعكس بداية ما سيُعرف لاحقاً عند كارل ماركس بـ «التراكم البدائي»، أي نزع موارد المشاع وتحويلها إلى ملكية خاصة، وتجريم من يحاول الإفادة منها.
ووصف ماركس هذا التحوّل بسعي الدولة إلى تحويل «أشخاص أبرياء إلى مجرمين»، بفعل تعاون الدولة مع مالكي الغابات لتحويل الفقر إلى جريمة. هكذا لم يعد السجن يجرّد الفقراء من مواردهم فقط، بل يحوّلهم أيضاً إلى مصدر عمل مجاني للرأسماليين.
وانتقد ماركس بشدة الأيديولوجيا التي قدمت السجون كمؤسسات إصلاحية أو أخلاقية. وربط السجون بتاريخ تأديب الطبقة العاملة وفرض العمل المأجور. في تحليله لـ «التراكم البدائي»، وصف كيف عوقب الفقراء والمتشرّدون بعنف لإجبارهم على الانخراط في العمل. وأشار إلى كيفية استخدام عمل السجناء لمنافسة العمّال الأحرار، ضمن مشروع قانون بريطاني. وبذلك ارتبط السجن بشكل مباشر بالمنطق الاقتصادي للرأسمالية.
إلى جانب كونه أداة للهيمنة الطبقية، فالسجون ليست إصلاحية ولا إنسانية، بل جهاز يُعيد إنتاج القمع ويكرّس التناقض بين خطاب الحرية البرجوازي وواقع القمع الذي يعيشه العمّال خلف القضبان.
السجن أداة قمع سياسي
من زنزانته، طوّر المفكر الماركسي أنطونيو غرامشي التحليل الماركسي للهيمنة وتحديداً الثقافية في كتابه «دفاتر السجن»، الذي صاغه حول مدة سجنه بين عامَي 1929 و1935.
كان السجن بالنسبة إلى غرامشي مصيراً قاسياً بلا شك، ولكنه لم يكن أسوأ المصائر. في رسالة إلى أمه، ميّز بوضوح بين السجن الجسدي والاستسلام الأخلاقي، وكتب: «السجن أمر رهيب، ولكنّ العار الناتج من الضعف الأخلاقي أو الجبن سيكون أسوأ بالنسبة إليّ. لقد رفضت دائماً أن أساوم على أفكاري وأنا مستعدّ أن أموت من أجلها، لا فقط أن أسجن بسببها».
ويعتبر غرامشي أن وظيفة السجن (والعقوبات عامة) في النظام الاجتماعي والسياسي، هي الهيمنة والانضباط اللذين تستخدمهما الدولة الرأسمالية والفاشية على حد سواء. فالسلطة لا تكتفي بالقمع المباشر، بل «تؤدِّب» وتوجّه سلوك الجماعات، خصوصاً الفئات المهمّشة والمفقّرة. وهذا ما حدث مع غرامشي، إذ زُجّ في السجن لأنه فكّر وناضل ضد النظام الفاشي. لذلك، حين قال المدّعي العام: «يجب أن نمنع هذا الدماغ من العمل لعشرين سنة»، كان يعبّر بوضوح عن وظيفة السجن التأديبية: ردع أي عقل يفكر خارج الأطر المرسومة من السلطة.
من زنزانة جورج عبدالله في فرنسا، إلى تجارب أنطونان بيرنانوس في مواجهة القمع، تتقاطع مسارات النضال في وجه نظام قضائي وأمني لم يكن يوماً محايداً، بل ظل أداةً طيّعة في يد السلطة السياسية والاقتصادية. السجن هنا ليس مساحة للعقاب الفردي فقط، بل هو امتداد لمنظومة أعمق: منظومة رأسمالية استعمارية، تستثمر في القمع وتُنتج التهم، وتحوّل الفقر والتمرّد إلى «جريمة».

