
إنها «إمبراطورية متقاعدة» تعاني من آلام أطراف لم تعد موجودة إلا في ما تبقى من جهازها العصبي المتهالك. تتذكر أمجاداً لم تعد موجودة، بينما يتآكل واقعها بفعل سياسات التقشف، والانقسام المجتمعي، وفقدان الثقة المطلق بالمؤسسات.
هذا الفراغ الهوياتي والسياسي لم يأتِ من عدم؛ بل هو النتيجة الحتمية لعقود من فساد الليبرالية الديموقراطية الوسطية التي وعدت بالاستقرار والازدهار، لكنها لم تقدم سوى ركود اقتصادي لغالبيّة السكان وتآكل الخدمات العامة، بينما أثرت النخب المالية في لندن.
في هذا المناخ من التعاسة وخيبة الأمل، وجد اليمين الشعبوي تربةً خصبة. لقد نجح في استغلال حنين زائف لماضٍ إمبراطوري متخيّل، وحوّل الإحباط الاقتصادي إلى غضب ثقافي موجه ضد الآخرين: المهاجرون، وأوروبا، والمؤسسة الرسمية. أصبح الخطاب السياسي لعبة صفرية: «نحن» ضد «هم»، وأصبحت «استعادة السيطرة» شعاراً فارغاً يخفي وراءه فشلاً ذريعاً في إدارة حاضر البلاد ومستقبلها.
على هذه الخلفية، ليست مواسم «الخيول البطيئة» (وروايات ميك هيرون المأخوذة عنها) مجرد حكاية جاسوسية للترفيه. إنّها التشريح الأكثر دقة (وبذاءة) لهذا الجسد البريطاني المريض يسقط بضربة قاضية أسطورة جيمس بوند، الذكر الأنغلوساكسوني الأبيض الأنيق الذي ينقذ العالم، ويقدم لنا بدلاً منه الحقيقة القذرة: جهاز استخبارات يعكس الدولة نفسها، بيروقراطي، غارق في الصراعات الداخلية التافهة، وعديم الكفاءة بشكل كوميدي ومأساوي في آن.
يأتي الموسم الخامس، المقتبس عن رواية London Rules، ليعمّق هذا التشريح، فيقدم لنا بريطانيا وهي على حافة الانهيار. يبدأ الموسم بهجوم مسلح ينفذه أحد أتباع سياسي يميني متطرف في إعلان صريح عن ثيمة الموسم: العدو لم يعد قوة خارجية واضحة المعالم مثل الروس في المواسم السابقة، بل أصبح فيروساً داخلياً، ونتاجاً عضوياً للسياسات السامة والانقسامات التي تسمم المجتمع البريطاني. لكن المسلسل، بعبقرية ميك هيرون السردية، لا يقدم لنا معالجة مباشرة وسطحية لهذا التهديد، إذ سرعان ما يتضح أنّ «القوميين البيض» ليسوا سوى خيط واحد في نسيج فوضوي متشابك.
نجح اليمين الشعبوي في استغلال حنين زائف لماضٍ
إمبراطوري متخيّل
هنا تحديداً تكمن عبقرية المسلسل ونقطة ضعف هذا الموسم في آن. فالحبكة، التي تستمر في مهمة تقديم مرآة دقيقة للواقع البريطاني تبدو مكتظة وتفتقر إلى الجوهر بشكل غريب، متأرجحة بشكل عبثي بين مؤامرة إرهابية، وثقافة «الإنسل» (مجتمعات من العازبين الذين يشعرون بالغضب والإحباط لعدم قدرتهم على إقامة علاقات طبيعية مع الجنس الآخر)، وناشطين بيئيين، وابتزاز يطال رئيس جهاز MI5 الجديد، وعلاقة عاطفية محتملة لا تضيف شيئاً.
هذا التشتت ليس عيباً في الكتابة، بل أبلغ تعبير عن حالة الدولة البريطانية نفسها: فقدت تركيزها، وغرقت في حرائق صغيرة ومتعددة، وعجزت عن تحديد أولوياتها أو فهم طبيعة التهديدات الحقيقية التي تواجهها. لم تعد هناك لعبة كبرى واحدة، بل مجموعة من الألعاب الصغيرة القذرة التي تستهلك طاقة الجميع. مشهد مؤامرة البطاريق في حديقة الحيوانات في لندن يلخّص هذه العبثية تماماً.
هذه الفوضى تتجلّى في مصائر الشخصيات. بطلنا غير الرسمي ريفر كارترايت (جاك لودن) يمرّ بما يشبه عملية زرع شخصية مقلقة، فيتحول إلى إنسان مزعج. هذا التحول ليس اعتباطياً؛ إنه يمثل خيبة أمل جيل كامل ورث عالماً محطّماً عن آبائه وأجداده. ريفر، الذي اكتشف في الموسم السابق أنّ والده زعيم طائفة مشبوهة، ويشاهد الآن جده، رجل الدولة القديم، يغرق في خرف الشيخوخة (في استعارة مؤلمة لفقدان الأمة لذاكرتها)، لم يعد يؤمن بالمؤسسة أو بالبطولة. لقد أصبح انعكاساً للتشاؤم العام.
في المقابل، يضيء الموسم على المبرمج النرجسي والمثير للشفقة رودي هو (كريستوفر تشونغ)، الذي يجد نفسه متورطاً في فخّ علاقة نسوية محتمل. إن جعل رودي محور الأحداث هو اختيار عبقري. فهو يمثل بريطانيا الحديثة في أكثر صورها كاريكاتورية: مهووسة بنفسها، غارقة في أوهام العظمة ومنفصلة تماماً عن الواقع، ما يجعلها فريسة سهلة للاستغلال. بينما الدولة تحترق، ينشغل جزء من جهازها الأمني بما إذا كان خبير تكنولوجيا المعلومات لديهم يواعد فتاة تفوقه جمالاً أم لا.
أما الشخصيات التي تمثل كفاءة الدولة القديمة، فتُهمّش بشكل لافت. ديانا تافرنر (كريستين سكوت توماس)، العقل المدبر القاسي، ليس لديها ما تفعله سوى التجهم وشرب كميات كبيرة من النبيذ، في دلالة على عجز النخبة القديمة عن التأثير في هذا الواقع الجديد. كما إنّ غياب لويزا غاي (روزاليند إلعازار) التي تأخذ إجازة طويلة لاسترداد توازنها النفسي هو اعتراف صريح بالكلفة البشرية للعمل (والعيش) في هذه البيئة السامة والمحبطة.
وسط هذا الاضمحلال، يبقى جاكسون لامب (غاري أولدمان) الثابت الوحيد. هو ليس بطلاً، بل هو شبح الحرب الباردة، وذاكرة كفاءة الدولة التي لم تعد موجودة. بذاءته، وإطلاقه المتكرر للغازات، ومظهره المقزز، كلّها درع يحمي به نفسه من حماقة العالم المحيط به. هو يرى الاضمحلال بوضوح تام، وسخريته اللاذعة هي السلاح الوحيد المتبقي لديه. عندما يقول إنّ فريقه مكوّن من مدمن مخدرات، وسكّير، ومريضة نفسية، وأياً كان هذا الشيء اللعين - في إشارة إلى رودي هو -، فهو لا يصف طاقم موظفيه فقط، بل يصف بريطانيا بأكملها.
ربما يكون هذا الموسم الخامس من «الخيول البطيئة» هو الأضعف حبكةً أو الأكثر فوضوية كما يرى بعض النقاد، لكن هذه الفوضى هي رسالته الأعمق. إنه يصوّر دولة لم تعد تعرف من هي أو إلى أين تتجه. لقد ولّت أيام الأعداء الواضحين والمؤامرات الكبرى. ما تبقى هو سلسلة من الأزمات الداخلية التافهة، والسياسيون الفاسدون، والبيروقراطيون غير الأكفاء، والمواطنون المحبطون الذين يبحثون عن أي شخص يلومونه.
ينجح «الخيول البطيئة» حيث تفشل نشرات الأخبار والتحليلات السياسية. إنه يلتقط لنا روح العصر البريطاني الكئيبة من دون تجميل أو اعتذار. نعي طويل ومضحك ومؤلم لإمبراطورية ترفض الاعتراف بأنها انتهت منذ زمن طويل.
* Slow Horses على «أبل بلس»

