
أطلقت شركتا Meta وOpenAI أخيراً منصات جديدة تعتمد على الفيديوهات القصيرة المنتَجة بالذكاء الاصطناعي. لكنّ القرار قد يشكّل منعطفاً خطيراً يحوّل المنصات التي تجمع الناس وتعرض صورهم المثالية، إلى فضاء مكتظ بالمحتوى المصنّع والذكاء الاصطناعي، وما يتضمّن ذلك من تكرار وضجيج رقمي يُفقد السوشال ميديا بريقها.
من جهتها، شبّهت صحيفة «فاينانشال تايمز» الاتجاه الجديد بالانتقال إلى ما يشبه «الطعام الفائق المعالجة»، حيث المحتوى سريع ولامع، مشبّع بالدوبامين، لكنّه يفتقر إلى القيمة والعمق. وترى الصحيفة البريطانية أنّ هذا «المحتوى الصناعي» يغذي الغرائز البدائية للمستخدمين، ويحوّل التفاعل الإنساني إلى مجرد استهلاك متواصل لمقاطع مصطنعة تُثير ولا تُغني.
منحنى التراجع العالمي
بيّنت بيانات شركة GWI، التي حلّلت سلوك أكثر من 250 ألف مستخدم في 50 دولة، أنّ الوقت الذي يقضيه البالغون على وسائل التواصل الاجتماعي بلغ في نهاية 2024 نحو ساعتين وعشرين دقيقة يومياً، أي أقل بنسبة 10% مقارنة بعام 2022.
الانخفاض كان أوضح بين المراهقين والشباب في العشرينات، الذين بدؤوا يتراجعون عن الاستخدام المفرط بعد أكثر من عقد من الصعود المتواصل. لم يعد الهدف التواصل مع الأصدقاء أو التعبير عن الذات كما كان في بدايات المنصات، بل ملء الوقت والفراغ الذهني بلا غاية واضحة.
بين التدهور والوعي الجديد
يصف الكاتب التكنولوجي، كوري دكتورو، ما يحدث في العالم الافتراضي بـ «تدهور المنصات» (Enshittification)، أي تحوّل التطبيقات إلى أدوات لزيادة وقت الشاشة بكل الوسائل الممكنة، حتى فقدت معناها الاجتماعي الأصلي.
لكن ربما يكون هذا التدهور بداية الوعي، فقد بدأ كثيرون في التوقف عن الاستعمال المفرط للسوشال ميديا، واستعادة وقتهم وتفاعلهم الإنساني. وحدها أميركا الشمالية تبدو استثناءً من هذا الاتجاه، إذ ما زال استخدام المنصات فيها في ازدياد، مدفوعاً بمحتوى الاستقطاب والانفعال المفرط.
وبينما وسائل التواصل الاجتماعي لن تخرج من حياة الإنسان، إلا أنّ التراجع العالمي في استخدامها يوضح بداية مرحلة أكثر وعياً في العلاقة معها.

