«راديو ترانزستور» يُعيد للخشبة اللبنانية جدّيتها المفقودة: في «المحطة»... التقى بيكيت بالرحابنة
في زمنٍ يغلب عليه المسرح الاستهلاكي، تُعيد مسرحية «راديو ترانزستور» إلى الخشبة اللبنانية روحها. عبر ثنائية فريدا ومهنا، يستعيد العمل أسئلة الحب والانتظار


في فضاء مُثقَلٍ بالانتظار، حيث لا يصل أحد، ولا يغادر أحد، تقف فريدا (يارا زخّور) وحيدة، بينما يصغي مهنا (أدون خوري) بعقلانية مفرطة. هذه هي محطة قطار «راديو ترانزستور» التي أعادت إلى مسرح بيروت شيئاً من جديته المفقودة. عمل يستحق المشاهدة، ليسَ لأنه مثالي، بل لأنه صادق، يفتح بابَ النقاش، وينأى بتواضع فني وشغف حقيقي عن تيار المسرح الاستهلاكي.
فريدا ومهنا: ثنائية الانتظار والمفارقة الوجودية
تتمحور المسرحية حول ثيمة «الحب المستحيل واللقاء المؤجل». تبحث فريدا (يارا زخور) الرسّامة الحالمة، عن حبيبٍ منتظَر في محطّة القطار، لتتكرّر خيبات اللقاء. وتتقاطع الحجج الساذجة مع جروحٍ أعمق مرتبطة بإحساسها بجسدٍ «غير كامل» في نظر الآخرين.
تكمن المفارقة الأكثر وجعاً في أنّ المسافر الوحيد الباقي في هذه المحطّة، والمصغي دائماً، هو «مهنا» (أدون خوري)، الباحث الغامض المفرط في عقلانيته. تستقطب هذه الشخصية الانتباه بغرابتها وهدوئها، مُشَكِّلةً استثناءً درامياً. ورغم أن طبيعة «مهنا» لا تُكشَف إلا في نهاية العرض، فإن وجوده يُمثّل انعطافةً عاطفيةً وفكريةً صادمة، تكسر أفق التوقّع لدى المشاهد، وتعكس بحدّة هشاشة العلاقات المعاصرة.
تحاور مع الإرث: من بيكيت إلى مسرح الثنائيات اللبناني
يستحضرُ هذا العمل تقليداً مسرحيّاً عريقاً، حاملاً نوستالجيا واضحة نحو مسرح الثنائيات، إذ تتقابل الشخصيتان في فضاء ضيّق مُثقَل بالأسئلة الكبرى. هي ثنائية «انتظار من لا يأتي»، التي شكّلت جوهر المسرح العبثي مع صامويل بيكيت وغيره، حين تغدو العلاقة بين شخصيتين اختزالاً لعالم بأكمله.
في المسرح اللبناني، كان لهذا التوجّه أثرٌ خاص. إذ أرست مسرحية «صفحة 7» لِعصام بو خالد وفادي أبي سمرا (2007) أنموذجاً محلياً جديداً لمسرح الثنائيات: حوار متوتر، ديناميكية مشحونة، وإدخال الرقص عنصراً درامياً مُوارباً وليسَ استعراضيّاً. منذ ذلك العرض، تأثّر عدد من التجارب المسرحية الشابة، بشكل مباشر أو غير مباشر، بهذه الرؤية. وفي «راديو ترانزستور» نلمس هذا التأثر، ليسَ بوصفه تكراراً، بل تحاوراً فنيّاً مع الإرث المسرحي المحلي والدولي، ومحاولة لإعادة قولبته ضمن سردية معاصرة تحتفي بالجدّية وتنتصر للتجريب.
ينتمي العمل
إلى «مسرح الثنائية الوجودية»
ينتمي العمل بامتياز إلى «مسرح الثنائية الوجودية»: فضاء وحيد (محطة قطار بمواعيد دقيقة ووصولٍ غير متوقّع) يلتقي فيه الانتظار، الحب، الألم، الأمل، واللاجدوى. تجسّد المسرحية ميكانيكية العواطف وتحوّل البشر إلى آلات فقدت إحساسها وقدرتها على الوصال، ليغدو الانتظار حالةً وجودية محورية تتجاوز حدود الفعل المسرحي إلى بحثٍ عميق عن معنى الحب في عالَم مُصابٍ بانعدامه.
بين الفلسفة الواقعية والشاعرية المُركّبة
النص متماسك في بنيةٍ فلسفيّة واقعيّة، وفيه لحظات من العمق الوجودي الصادق. لكن في بعض المشاهد، ينزلق إلى شاعرية متكلّفة تستحضر المدرسة الرحبانية (مسرحيّة «المحطّة» تحديداً)، ليس مرجعية فنية، بل حالة رومانسية تبدو منفصلة عن واقعية المسرحية. هذه اللحظات تُفقد العمل شيئاً من توهّجه. فالشاعرية حين تُفتعل تصبح عبئاً على السرد بدل أن تكون إضافة له.
الموسيقى والسينوغرافيا: لمسات إخراجية بين الإضافة والتعويض
ورغم تمكّن العرض من ضبط الإيقاع التمثيلي والبناء النصّي، إلا أنّ بعض الخيارات الإخراجية بدت غير مكتملة الغوص، خصوصاً في التعامل مع السينوغرافيا.
كان ممكناً توظيف الفضاء المسرحي بشكل أعمق وأكثر رمزية، حيث بدت بعض العناصر (كالمقاعد، الدّوارات، المدرجات، أو غيرها) كأنّها موجودة لملء الفراغ أكثر من كونها أدوات دلالية تُغني المعنى. فتصميمُ الدوّارات على مقاعد الانتظار، بهدف استخدامها في مشهد الرقصة، أحدث انطباعاً باستعراض غير مُبرّر.
وعوضاً عن أن يُحدثَ صدمة أو انزياحاً شعورياً قوياً، تحوّل إلى مجرد لحظة جمالية خفيفة، بينما كان يُمكن أن يكون لحظة وجودية مشحونة، في عرض يعتمد على العمق لا البهرجة.
أما الموسيقى، فقد لعبت دوراً مزدوجاً، فخدمت الإحساس العام في بعض اللحظات، بينما بدت في أخرى محاولة للتعويض عن فراغ غير موجود، فسرقت الضوء من تمثيلٍ غنيّ وصادق كانَ قادراً وحده على إيصال الشعور.
النفس المسرحي وإتقان الحوار
تكمن القوة الحقيقية للعمل في الأداء التمثيلي والنص. إنّ يارا وأدون ممثلان يتقنان فنَّ الحضور، ويملكان أدوات التعبير من كاريزما، وكتابة، وصوت، وحركة، ونَفَس مسرحي. لم يقعا في فخ الاستسهال، بل قدّما حواراً داخلياً وخارجياً يعكس صراعاً عميقاً بين الذات والعالم. ولكن، ونظراً إلى طبيعة المسرحية التي تعتمد على الدهشة والتقاطع بين ما هو حسي وفلسفي، نتحفظ على كشف بعض التفاصيل التي قد تُفسِد تجربةَ المُشاهَدة على الجمهور.
إنّ ما يُحسب لهذا العرض هو أنه لا يستخف بذكاء المشاهد، بل يحفّزه على التأمّل، ويضعه أمام تساؤلاتٍ كبرى عن الإنسان، والوجود، والحب في زمن اللامعنى. وهو بذلك يحقّق هدفاً نادراً في المسرح المحلي: دعوة المتفرّج إلى التفكير لا الاستهلاك.
* مسرحية «راديو ترانزستور» حتى الأول من تشرين الثاني (نوفمبر) ـ مسرح «المونو» (الأشرفية) ـ للاستعلام: 71812780





