
بعدما وضعت الحرب أوزارها، حتى هذه اللحظة، بدأت زوايا الجريمة الكبرى المرتكبة في قطاع غزة تتجلّى. لم تنحصر التبعات والآثار في قتل أكثر من 65 ألف فلسطيني بالصواريخ تارة، والجوع طوراً، بل تعدّت ذلك. ومع هدوء العاصفة، تكشّف حجم الكارثة، مدن مدمّرة عن بكرة أبيها.
لكنّ مآسي الغزيين تتجاوز ذلك، إذ يبرز الخطر المستقبلي المقبل، فالإبادة طالت أيضاً الجانب البيئي في القطاع الصغير، متسبّبة في أضرار جسيمة للنباتات والحيوانات، وتوقّف واسع للأنشطة الزراعية وصيد الأسماك وتربية المواشي، ما يفرض تحديات أساسية أمام مستقبل الحياة في غزة.
لم يهدر الاحتلال أي وقت خلال عامين من القصف والاجتياح شبه المتواصل. في الوقت الذي كان يقتل فيه عشرات الآلاف من الفلسطينيين، استطاع تدمير وإلحاق الضرر بالبنية التحتية البيئية في القطاع. ووفقاً لتقرير حديث صادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة، قضت القوات الإسرائيلية منذ 8 تشرين الأول (أكتوبر) 2023 على 82 في المئة من النباتات السنوية وأبادت 95 في المئة من المناطق المليئة بالشجيرات. إضافة إلى ذلك، دمّرت 89 في المئة من المراعي و92 في المئة من البنية التحتية الساحلية للقطاع.
الوحشية الإسرائيلية استهدفت الحياة بكامل أشكالها، والنسب العالية توضح الخطة الممنهجة لإفراغ القطاع من القدرة البيئية على ديمومة الحياة. إذ كشف التقرير الأممي عن إلحاق الاحتلال الضرر بـ 75 في المئة من الأراضي الزراعية في غزة، ما أخرجها عن الخدمة بوصفها غير صالحة للإنتاج. كما توقّفت تربية الدواجن بشكل تام، ودمّرت القوات الإسرائيلية 80 في المئة من خطوط الري و70 في المئة من البيوت الزجاجية، واستهدفت المخازن المبردة التي لم يتبق منها سوى 5 في المئة مما كان موجوداً قبل الحرب.
وصلت أصداء الغارات والتجويع إلى مختلف أنحاء المعمورة، لكنّ ما أثاره تقرير الأمم المتحدة يكشف زوايا جديدة للإبادة. خلص التقرير البيئي إلى أنّ 97 في المئة من عيّنات المياه لا تفي بمعايير الشرب.
امتدت المأساة أيضاً إلى ارتفاع حالات الإصابة بفيروس التهاب الكبد من نوع أ بمقدار 384 ضعفاً، بعد انهيار نظام الصرف الصحي وتوقّف 90 في المئة من أنظمة جمع النفايات.
من جهة أخرى، كشف الناطق الرسمي باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، أنّ دراسات مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية (Ocha) أظهرت بشكل أوّلي، أنّ حجم الأضرار في مدينة غزة وحدها يشمل 83 في المئة من المباني. وتلاقت بيانات الأمم المتحدة مع إحصاءات الحكومة المحلية في القطاع، حيث طال الدمار الغالبية العظمى من أبنية القطاع السكنية وبنيته التحتية، إلى جانب الضربات الإسرائيلية الموجّهة ضد دور العبادة والمواقع التراثية والمرافق الرياضية والمدارس والمقابر.
لكنّ الأزمة ليست في غزة فقط: بينما كانت الأعين شاخصة إليها، لم يدّخر الاحتلال وقتاً في خنق الحياة في الضفة الغربية أيضاً. إذ كشف دوجاريك، أنّ عدداً من المزارعين في مناطق الضفّة لم يتمكنوا من حصاد محاصيلهم بسبب الهجمات الجسدية التي شنّها المستوطنون الإسرائيليون. وقال الناطق الأممي إنّهم وثّقوا أكثر من ألف ومئتي هجوم غير قانوني من هذا النوع هذا العام، ما أدّى إلى إتلاف أكثر من سبعة عشر ألف شجرة وشتلة في مدن الضفة الغربية وقراها.
استهدفت الحرب الإسرائيلية إبادة جميع أشكال الحياة من دون استثناء. وحتى في حال نجاح وقف إطلاق النار، يواجه الغزيون تحديات وجودية في إغاثة مئات آلاف المشرّدين من دون مأوى، كما في مواجهة تداعيات الكارثة البيئية بعد أكثر من 700 يوم من القصف الوحشي.

