
بين من يراه أداةً لتحسين الحياة ومن يخشاه سبباً في انهيارها، يتجدّد الجدل العالمي حول مستقبل الذكاء الاصطناعي، خصوصاً بعد تصاعد التحذيرات من موجة غير مسبوقة من فقدان الوظائف. وبينما لا يزال الخطر منحصراً بالوظائف «الدنيا»، بدأت الأصوات تعلو حول امتداد مصادرة الوظائف إلى المناصب العليا، حيث المحامون والأطباء والمُسوّقون، وصولاً إلى أعلى الهرم، الرؤساء التنفيذيون.
الآراء التشاؤمية لم تعد أوهاماً مجرّدة من الوقائع، إذ خرجت أخيراً من داخل أروقة الصناعة أصوات تعبّر عن القلق نفسه: سرعة التطور باتت تتجاوز قدرة البشر على التكيّف، ما ينذر بفوضى اقتصادية واجتماعية مقبلة.
وسط هذه الأصوات، برز أخيراً اسم محمد جودت، أو المشهور بلقب Mo Gawdat، المسؤول التنفيذي السابق في شركة «غوغل»، الذي تحوّل من مهندس ومبتكر إلى كاتب وباحث في السعادة والذكاء الاصطناعي. عايش فاجعة شخصية هزّته في عام 2014 حين فقد ابنه علي أثناء عملية جراحية روتينية لاستئصال الزائدة، انتهت بأخطاء طبيّة أودت بحياة ابنه الوحيد في عمر الواحدة والعشرين.
كانت تلك الحادثة نقطة تحوّل في حياته دفعته إلى تأليف كتابه الشهير Solve for Happy، ثم إلى ترك منصبه في «غوغل» بعد سنوات من العمل على مشاريع طموحة مثل Project Loon وMakani وFoghorn. بعد تلك المرحلة، كرّس جودت جهوده لدراسة الذكاء الاصطناعي وتأمّل أثره في الإنسان والمجتمع.
في مقابلةٍ حديثة نقلتها مجلّة «فوربس»، حذّر المهندس المصري من مرحلة وصفها بـ «عقدٍ أو عقدين من البؤس» ستسبق ما قد يُسمّى بـ «الفردوس التكنولوجي». وأكد أنّ ما يخشاه ليس ذكاء الآلات بحدّ ذاته، بل «الشرّ الذي سيوجّهه الإنسان عبرها». وبرأيه، فإن الأنظمة الحالية القائمة على الجشع والسعي وراء الربح ستستغل الذكاء الاصطناعي لتكريس الهيمنة، لا لخدمة البشر. ومع ذلك، يرى بصيص أمل في أن تتفوق الآلة يوماً في وعيها الأخلاقي على صانعيها، قائلاً إن «الذكاء الحقيقي يرفض الحروب لأنها غباء».
تحذيرات جودت لا تتوقف عند البُعد الأخلاقي، بل تمتد إلى البُعد الاقتصادي والاجتماعي. في آب (أغسطس) المنصرم، توقع المهندس الذي أكمل دراساته العليا في هولندا، «انحداراً نحو الجحيم قبل الوصول إلى الجنة». إذ اعتبر أنّ الذكاء الاصطناعي سيؤدي بحلول عام 2027 إلى انهيار الطبقة الوسطى، ما يعني فعلياً القضاء على حصّة واسعة من الوظائف الإدارية، وظهور بنية اجتماعية لا يكون فيها المرء سوى «فلاح» ما لم يكن من بين القلّة القليلة من سكان الكوكب المتحكّمة بثرواته.
التغيير الذي توقعه أن يبدأ بين عامَي 2026 و2027، كما يراه، لن يكون تدريجاً، بل انفجار شامل يهدد كل المهن، من المبرمجين إلى المديرين التنفيذيين. فالذكاء الاصطناعي، بحسبه، لن يساعد فقط، إنّما سيحلّ محلّ الإنسان.
ويلفت جودت إلى أنّ توقعاته ليست مجرد خيال تشاؤمي، بل توازيها مؤشرات فعلية في قطاعات المال والإعلام والقانون والهندسة البرمجية، حيث باتت المهمات التي كانت تحتاج إلى مئات الموظفين تُنجز اليوم بواسطة قلّة من البشر بمساعدة الذكاء الاصطناعي. ويستشهد بشركته الناشئة كمثالٍ، إذ يعمل فيها ثلاثة أشخاص فقط يؤدّون ما كان يتطلب 350 موظفاً في السابق.
هذه المعطيات دفعت محمد جودت إلى اعتبار أنّ التحوّلات الجذرية الحاصلة ستقود إلى مرحلة من «الفوضى الاجتماعية»، إذ سيُعاد تعريف العمل والهوية والمعنى، وأن النظام الاقتصادي القائم لن يصمد أمام هذا الانفجار في الإنتاجية. مع ذلك، يعتقد أن النهاية ليست بالضرورة مأساوية. بعد سنوات الاضطراب، قد يتجه العالم إلى نموذج ما بعد الندرة، حيث تتوافر الخدمات والفرص للجميع وتتحرر السعادة من قيود العمل والملكية.
تختلف المواقف حول مدى واقعية رؤية جودت المستقبلية، لكنّها تشكّل صرخةً في وجه التهاون، ليس ضد مسار التطوّر الآلي أو تقنيات الذكاء الاصطناعي، إنّما مسلّطة على من يوجّه هذا القطاع. فهل لدى الفئة القليل المتحكّمة بهذه الموارد من القيم الكافية كي تتحمّل مسؤولية وظائف مئات ملايين البشر؟ بل مسؤولية مستقبل البنية الاجتماعية والاقتصادية لمجتمعات تُعاني أصلاً من غياب العدالة والتوحّش الرأسمالي لعقود من الزمن؟

