«شارة نصر جلبوع»: صفقة الحرية تجمع الأبطال بالأبطال
تحققت نبوءة مسلسل «شارة نصر جلبوع» حين التقى الممثل محمد خروات، الذي جسّد دور الأسير أيهم كممجي، بصاحبه الحقيقي في القاهرة بعد تحرّره في صفقة تبادل.


تحققت نبوءة مسلسل «شارة نصر جلبوع» حين التقى الممثل محمد خروات، الذي جسّد دور الأسير أيهم كممجي، بصاحبه الحقيقي في القاهرة بعد تحرّره في صفقة تبادل. حمل اللقاء رمزية الفن المقاوم، إذ امتزج فيه الخيال بالواقع، وسط غياب كاتب المسلسل وممثليه الشهداء الذين خلدوا نضال الأسرى درامياً وإنسانياً
تخيّل أن يخرج الأسرى الستة يوماً في صفقة تبادل، كما حدث في المسلسل، ثمّ يأتون بهم إلى غزة، فنلتقي بهم وجهاً لوجه!
هكذا حدّث الممثل محمد خروات صديقه وزميله مهند قاسم، بعد انتهائهما من تنفيذ مشاهدهما في مسلسل «شارة نصر جلبوع» (2022 ــ كتابة زكريا أبو غالي ـــ إخراج حسام أبو دان) الذي جسَّد دراميّاً حكاية انتصار ستة أبطال فلسطينيين على قيد السجّان، ولعب فيه الأول دور الأسير أيهم كممجي والثاني دور الأسير مناضل نفيعات.
تحقّقت النبوءة
ولأن العزم قدر الفلسطينيين وكسر القيد عادتهم، فقد تحققت النبوءة ولو بعد حين، وخرج بطلان جديدان من «أبطال جلبوع» ـــ وهما محمود العارضة وأيهم كممجي - إلى الحرية بعدما سبقهما إليها في صفقة تبادل سابقة محمد العارضة وزكريا الزبيدي، ليبقى يعقوب قادري ومناضل نفيعات في انتظار وعد المقاومة الصادق دوماً.
ولكن العارضة وكممجي لم يُبعَدا إلى غزّة كما جرت العادة، بل إلى القاهرة. تفصيلٌ لم ينسف حلم الممثلين الشابين، فهما أيضاً موجودان في العاصمة المصرية التي وصلا إليها أثناء حرب الإبادة التي شنّها الاحتلال ضدّ قطاع غزة.
خروات: أيهم كممجي عاتبَني لهذا السبب
في حديثٍ معنا، يشرح لنا خروات تفاصيل اللقاء، مشيراً إلى أنّه على تواصل دائم مع والد أيهم وإخوته منذ عرض المسلسل، وقد طلب رقم هاتف أيهم من شقيقه محرّم بمجرّد معرفته بوصوله إلى القاهرة، ورتّب موعداً لزيارته بصحبة مهند قاسم الذي لم يكن أقل شوقاً منه للزيارة المرتقبة وإن غاب عن اللقاء مناضل نفيعات الحقيقي الذي لم تشمله الصفقة.
تأثر الأسرى بأحداث المسلسل وبقدرة الممثلين على محاكاة سلوكهم وانفعالاتهم وأفكارهم
وإن كان لقاء نفيعات – نفيعات لم يتم بسبب استمرار اعتقال الأصيل، فإن لقاء محمود العارضة ببديله الدرامي لم يتمّ أيضاً لسبب آخر هو استشهاد الفنان علي نسمان الذي لعب دور العارضة باقتدار، في مطلع العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة. كما غاب عن اللقاء الكاتب الذي تنبأ باكراً - ومن خارج سياق الأحداث يومها، وحالة الأسى التي أصابت الناس مع اعتقال الأبطال الستة مجدّداً - بخروج الأسرى إلى الحرية من جديد بصفقة تبادل تنجزها المقاومة!
وينقل خروات عن العارضة وكممجي تأثر الأسرى الشديد بأحداث المسلسل وقدرة الممثلين على محاكاة سلوكهم وانفعالاتهم وأفكارهم من دون أن تتسنى لهم من قبل أي فرصة للقاء بهم والاحتكاك المباشر معهم، متوقفاً عند قول أيهم له مازحاً: «يا مجرم، في لحظات محدّدة كنتَ أيهم بالفعل، وحين قلت «آه يمّا» أبكيتني بالفعل، ولمست شغاف قلبي».
ولا يخفي خروات في المقابل انزعاج كممجي من صوته السيّئ في الأذان الذي لا يشبه صوت أيهم الحقيقي الجميل. ويختم خروات حديثه معنا بذكر نسمان وأبو غالي، وبقية شهداء الدراما في غزة، ومن بينهم المنشد حمزة أبو قينص الذي أدى شارة المسلسل بصوته، ممّن كان يتمنّى مشاركتهم إياه لحظة تحقق هذا الحلم ولقاء الأسرى المحررين، بما فيه من فرح وفخر، معزياً نفسه بأنهم في مكانٍ يليق بهم بعدما افتدوا بدمائهم القضية التي عملوا من أجلها بإخلاص ونذروا حياتهم وفنّهم لها.
«شارة نصر جلبوع» بعيون كاتبه الشهيد
وفي حديثٍ سابقٍ معنا، كان السيناريست الشهيد زكريا أبو غالي قد أكد أن المسلسل الذي أُنجِزَ في وقت قياسي يتجاوز حكاية الأسرى الستة إلى تقديم صورة شاملة عن معاناة الأسرى بأوجهها المختلفة: من الإهمال الطبّي الذي يصل إلى حدّ القتل المتعمّد، إلى سياسة التعذيب النفسي والجسدي في مدة التحقيق، مروراً بمساومة الأسرى على أبسط حقوقهم واحتياجاتهم عبر حرمانهم من الزيارات ومن الاتصال بذويهم وغير ذلك، فضلاً عن معالجة قضية حق الأسرى في الإنجاب عبر ما عُرف بـ «النطف المحرّرة» وكيفية شرعنة هذا الأمر اجتماعياً وسياسياً ودينياً وقانونياً، ليشكّل تحدياً صارخاً للاحتلال وتحطيماً معنوياً لقيوده وقضبان سجونه، وترسيخاً لحقّ الأسرى في أن يكون لهم أسرةٌ وأبناء هم بمنزلة «سفراء للحرية».
عبر القصّة الإنسانيّة المشوّقة والمؤثرة للأسير حاتم وزوجته خلود، نكتشف كيف ظهرت الفكرة بدايةً، لتتقاطع مع قصّة عميد الأسرى اللبنانيين الشهيد سمير القنطار الذي تحضر عبره في العمل قضيّة الأسرى العرب في سجون العدو.
وتوقّف أبو غالي عند المحاولات المستمرّة لشيطنة الشعب الفلسطيني وتشويه نضالاته وتضحياته واستهداف منظومته القيميّة والاجتماعيّة عن طريق أعمال فنيّة مشبوهة ومسمومة يصنعها عرب وفلسطينيّون ومنها فيلم «صالون هدى» (إخراج هاني أبو أسعد) الذي قدّم الأسرة الفلسطينيّة ممزّقة مشتّتة تعيش مشكلات كبيرة حيث يتشارك الأزواج والمقاومة اضطهاد الزوجات حتى لا يجدن إلا الاحتلال سنداً والتعامل معه طريقاً للخلاص!
كما أشار إلى فيلم «أميرة» (إخراج محمد دياب) الذي «تولى تشويه صورة الأسرى تحديداً والتعدّي على حقهم في الإنجاب عن طريق جعل النطفة المحرّرة في الفيلم لضابط إسرائيلي» وقبلهما «الجنة الآن» (هاني أبو أسعد) الذي «يزعم أنّ مشكلات أسريّة وأزمات نفسيّة هي ما يدفع الاستشهاديين إلى تنفيذ عمليّاتهم البطوليّة للتخلص من واقعهم البائس! ».
ورأى أبو غالي أنّ الردّ على هذه الأعمال لا يكون فقط ببيانات الاستنكار، بل بإنتاج أعمال فنيّة تعبّر عن نبض الشعب الفلسطيني وتنقل روايته الحقيقيّة التي تستحقّ الخروج إلى العالم، مضيفاً أنّ «شارة نصر جلبوع» ليس سوى خطوة على هذا الطريق.



