سوريا ما بعد «البعث»: رحلة البحث عن نشيد!

منذ سقوط نظام «البعث» في سوريا، تتبدّل مفردات الهوية الوطنية ورموزها المرئية بوتيرة متسارعة، بينما تغيّرت الراية (العلم) سريعاً، استجابةً لمطالب جمهور الثورة الذي أعاد إحياء العلم القديم ذي الألوان الثلاثة، بقي النشيد الوطني على حاله. إذ لم يتضمّن الإعلان الدستوري للمرحلة الانتقالية أي إشارة إلى النشيد الرسمي، رغم تحديده شكل العلم وشعار الدولة.
عقدة الإخوة
أعلنت الرئاسة السورية أخيراً عن لقاء جمع رئيس المرحلة المؤقتة أحمد الشرع بوزير الثقافة محمد الصالح، وعددٍ من الأدباء والشعراء المحسوبين على الحكم الجديد، لبحث ترتيبات النشيد الوطني للجمهورية العربية السورية. من بين الحاضرين الشاعر والباحث الفلسطيني جهاد الترباني، المعروف باهتمامه بالتاريخ الإسلامي وبقصائده التي دعمت الثورة السورية والمصرية، وأنشدها فنانون أمثال فضل شاكر وفريق «غرباء للفن الإسلامي».
كما حضر اللقاء الأخوان الدغيم: المدير العام لمديريات الثقافة والمراكز الثقافية في وزارة الثقافة السورية أنس الدغيم، وشقيقه حسن الدغيم، عضو اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، وكاتب وباحث في شؤون الجماعات الإسلامية.
هذا الحضور دفع بعض السوريين للتعليق عبر منصات التواصل الاجتماعي بأنّ النشيد السوري السابق كان من تلحين الأخوين فليفل، ويبدو أن النشيد الجديد سيكون من كلمات الأخوين الدغيم، فيما علّق آخرون ساخرين بأن «سوريا تعاني عقدة الإخوة» في المجال العام. بعد حافظ ورفعت الأسد، وبشار وماهر الأسد، وأحمد وماهر الشرع، جاء أنس وحسن الدغيم.
«في سبيل المجد» على الرف!
بعد سقوط نظام بشار الأسد عام 2024، عاد نشيد «في سبيل المجد» إلى الواجهة، إذ استخدمه كثير من السوريين في احتفالاتهم وتجمعاتهم، لما يحمله من رمزية وطنية مألوفة وحضور في الذاكرة الشعبية. وأبلغ الاتحاد السوري لكرة القدم الاتحادَ الدولي (فيفا) رسمياً قراره اعتماد العلم الأخضر الجديد، واعتبار «في سبيل المجد» نشيداً وطنياً موقتاً إلى حين اتخاذ قرار نهائي بشأن النشيد الرسمي.
ويُعرَّف النشيد في موسوعة «ويكيبيديا» بوصفه النشيد الوطني المؤقت لسوريا بعد سقوط النظام، وهو من تأليف الشاعر السوري عمر أبو ريشة، وتلحين الأخوين اللبنانيين محمد وأحمد فليفل. وتقول كلماته:
فِي سَبيلِ المَجدِ والأوطانِ نَحيا ونَبيدْ
كُلُّنا ذو همَّةٍ شَمَّاءَ جَبّارٌ عَنيدْ
لا تُطيقُ السَّادةُ الأحرارُ أطواقَ الحديدْ
إنَّ عَيشَ الذُّل والإرهاقِ أَولىٰ بالعَبيدْ
هَـٰذِهِ أوطانُنا مَثوَى الجُدودِ الأوَّلينْ
وسَماها مَهبِطُ الإلهامِ والوَحيِ الأمينْ
ورُباها جنَّةٌ فَتَّانةٌ للنَّاظرينْ
كُلُّ شِبرٍ مِن ثَراها دونَهُ حَبلُ الوَريدْ
يُذكر أن الأخوين فليفل هما اللذان لحّنا أيضاً النشيد السوري السابق «حماة الديار»، الذي فازا به في المسابقة الرسمية لتلحين النشيد الوطني عام 1938 بدعوة من الرئيس محمد علي العابد. ورغم رفض لجنة التحكيم الاستماع إلى اللحن في البداية، فإنّ انتشاره الواسع في أنحاء البلاد أجبرها على اعتماده ومنح الملحنين وسام الاستحقاق. بقي النشيد معتمداً حتى سقوط النظام في 8 كانون الأول (ديسمبر) 2024.
كلمات «حماة الديار» كتبها الشاعر السوري خليل مردم بك، ولحنه الأخوان فليفل، اللذان لحّنا أيضاً النشيد الوطني المصري عام 1959، والنشيد الوطني اليمني السابق، وعدداً من الأناشيد المدرسية والعربية الشهيرة مثل «نحن الشباب»، و«موطني»، و«في سبيل المجد».
في ظلّ تحولات الهوية السورية بعد عام 2024، يبدو أنّ النقاش حول النشيد الوطني يتجاوز المسألة الموسيقية إلى سؤال رمزي وسياسي أعمق يناقش إمكانية الاحتفاظ بأي شيء من الماضي، أو الرغبة في منح الهوية السورية طابعاً دينياً لم تستطع فرضه في اختيار العلم أو شعار الدولة عبر توكيل شخصيات ثقافية بطابع ديني مهمة الترتيب للنشيد الرسمي.

