ENsamaha
لبنان
سوريا
فلسطين
عرب
عالم
قضايا وآراء
ثقافة
كاريكاتور
رياضة
حياة وناس
تغطيات
المزيد
عدد اليومكتاب الأخبار كلماتأرشيف الأعدادفيديوصورأرشيف جوزيف سماحةأرشيف أنسي الحاجزياد الرحباني
PDFعدد اليوم

العمى في الموسيقى... استغلال «لوسي» نموذجاً

ثقافة
|موسيقى
حفظ المقالة

فقدان السمع، كلّياً ومنذ الولادة، يمنع، نظرياً، الإنسان من تعلّم العزف على أي آلة. أما فقدان هذه الحاسّة، بعد تعلّم العزف، فيمكنه ألا يؤثّر في متابعة هذا النشاط، شرط أن يتخطّى الشخص الحالة النفسية الصعبة التي يسببها هكذا حدث.

بشير صفير
بشير صفير
الخميس 23 تشرين اول 2025
الفتاة الكفيفة لوسي إيلينغوورث الملقّبة بـ«لوسي عازفة البيانو»
الفتاة الكفيفة لوسي إيلينغوورث الملقّبة بـ«لوسي عازفة البيانو»
الخط


فقدان السمع، كلّياً ومنذ الولادة، يمنع، نظرياً، الإنسان من تعلّم العزف على أي آلة. أما فقدان هذه الحاسّة، بعد تعلّم العزف، فيمكنه ألا يؤثّر في متابعة هذا النشاط، شرط أن يتخطّى الشخص الحالة النفسية الصعبة التي يسببها هكذا حدث. حتى بيتهوفن الصلب، بلغ مرحلة الانتحار وكتب وصيّته الشهيرة عندما بدأ يفقد السمع… لحسن الحظ، عدل عن مخططه، وتخطّى المحنة وخرج أصلب بعد.

بيتهوفن ليس وحده، فهناك عدد من الموسيقيين الذين لاقوا هذا المصير، بعضهم علّق نشاطه وبعضهم الآخر تابعه بنجاح. أبرز الأمثلة، عازفة الآلات القرعية (ماريمبا، كزيلوفون، طبول،…) الرهيبة إيفلين غليني، التي فقدت سمعها كلّياً في الثانية عشرة من عمرها، لكنها حققت إنجازات في شتى المجالات والأنماط، حتى الصعبة جداً منها (الكلاسيك المعاصر والجاز) واعتمدت على تلقّي الصوت بالجسد عبر الذبذبات (تعزف حافية القدمين مثلاً).

في ما خصّ النظر، المسألة مختلفة كلياً. يمكن تعلّم الموسيقى في جميع الحالات (فقدان البصر منذ الطفولة أو لاحقاً) لكن الأمر يحتاج إلى موهبة استثنائية. الأمثلة بالعشرات، في كل الأنماط الموسيقية، رغم اختلاف مدى صعوبة الأمر بين نمط وآخر، وآلة وأخرى.

من راي تشارلز (مغنّي، عازف بيانو ومؤلّف) إلى آرت تايتم (بيانو جاز وكلاسيك/ تقنياته الجهنّمية تسببت بعقدة لكثير من زملائه) وستيفي ووندر (متعدد المواهب، من التأليف والتوزيع إلى العزف والغناء) وجورج شيرينغ (بيانو جاز ومؤلّف)، ومن هلموت فالخا (أرغن وهاربسيكورد) إلى أندريا بوتشيلّي (مغني أوبرا)، ومن خوسيه فيليسيانو (غيتار وغناء) إلى جيلبير موتانييه (بيانو وغناء)، وكذلك من الشيخ إمام إلى سيد مكّاوي (عود، تلحين وغناء… في الحالتَين)، الأمثلة لا تُحصى. اكتفَينا بأبرزها في أنماط مختلفة.

«لوسي»… الموهبة المستَغَلّة

لكن تناول الموضوع الآن، لا يأتي من دون سبب. مناسبة الحديث هي الفتاة الكفيفة لوسي إيلينغوورث الملقّبة بـ«لوسي عازفة البيانو»، وتزامُن (بفارق بضعة أسابيع) صدور ألبومها الأول مع إصدار زميلها الياباني الكفيف أيضاً، نوبويوكي تسوجيي، ديسكاً جديداً، يُضاف إلى الديسكوغرافيا الخاصة به، لكنّه الأول عند «دويتشه غراموفون» (رأس الجدية والمهنية في مجال نشر الكلاسيك).

من الواضح أن لوسي تتعرّض لاستغلال إعلامي وتجاري لحالتها الخاصة هذه، إذ تعاني أيضاً من مرض عصبي يسبب لها اضطرابات جسدية بارزة في حركة الرأس، بالأخص عندما تعزف البيانو، ما قَدَّم وصفةً مثالية لإثارة الشفقة والاحتضان المبالغ به حدّ الزيف. والاستغلال هذا بلغ ذروته مع إصدار ألبومها الأول مطلع كانون الأول (ديسمبر) الماضي بعنوان «لوسي» وحوَى مجموعة من كلاسيكيات ريبرتوار الكلاسيك أو أجزاء من أعمال (حركة واحد من سوناتة مثلاً) وبعض أغاني البوب المُعدَّة للبيانو.

عام 2023 فازت بالميدالية الذهبية في The Piano على القناة الرابعة الإنكليزية، البرنامج الذي يعطي فرصةً للهواة لإبراز مواهبهم وفيه منسوب عالٍ من الإخراج والإعداد ذي الطابع «الترفيهي».

ما تفعله الفتاة (مولودة عام 2009) يؤكد موهبتها الكبيرة ويلامس الإعجاز… لكن، فقط، نسبةً إلى وضعها، لا بالمطلق. والأخطاء التي تقع (أو قد تقع) بها في الأداء الحيّ والإطلالات الأخرى، لا مشكلة فيها على الإطلاق. فمن يجلس أمام البيانو لديه بالنتيجة 88 مفتاحاً ممدّدة على مساحة 123 سنتم. من دون نظر، العزف لن يكون سهلاً إطلاقاً.

غير أن ألبومها الأول أكّد الاستغلال الذي تتعرّض له وفاقَم بشاعته، إذ زخَرَ عزفُها بأخطاءٍ لا يجوز نشرُها بشكلٍ رسمي، والأسوأ أنّ بعضها من النوع الذي يمكن «تصحيحه» بسهولة فائقة.

حوى ألبوم «لوسي» مجموعة من ريبرتوار الكلاسيك وبعض أغاني البوب

نعطي مثلاً واحداً. في الألبوم أداءٌ للحركة الأولى من السوناتة الشهيرة المسماة «مونلايت» أو «ضوء القمر» لبيتهوفن. العمل ليس متطلباً جداً تقنياً، لكنّ حفظه غيباً متعب (والحفظ غيباً قاعدة في الكلاسيك، لكنه خيارٌ إلزامي في حالات فقدان البصر)، بسبب قيامه، على نواة موسيقية من ثلاث نوتات على قاعدة الـ«تريوليه» (ثلاثة أثلاث سوداء) تتكرّر طوال المقطوعة تقريباً (عددها أكثر من 260 نواة، أو ما يعادل نحو 800 نوتة)، وتتبدّل فيها هذه النوتات بشكل غير منتظم (بمعنى عدد تكرار نفس النواة، ثم التغيرات التي تطرأ على النواة التالية، وهكذا دواليك).

كل هذا ونحن ما زلنا في جزءٍ من اليد اليمنى، التي تتولّى، على مدى الجزء الأكبر من الحركة، جملة لحنية ثانية بالتزامن مع النواة المكرَّرة، ويُضاف إلى ذلك طبعاً اليد اليسرى وهي سهلة نسبياً تقنياً وحفظاً. عازف البيانو الجدي «ممنوع» أن يستخدم المدوّنة، وعليه حفظها، لكن يمكنه الرجوع إليها إن أراد.

الكفيف لا خيار له سوى الحفظ. هذا ما تعتمد عليه لوسي. غير أنّها بدأت بالـ«تضييع» في اللحظات الأخيرة من «ضوء القمر» (الموازير رقم 58/59/62/63/65)، بالإضافة إلى زيادة «أكّور» في الختام على المازورة الأخيرة (69)، إذ يُنهي بيتهوفن الحركة على «أكّورَين» متشابهَين (أو أكّور مكرَّر)، لا ثلاثة كما تفعل لوسي.

وإذا كان الـ«تصحيح» بالمونتاج غير ممكنٍ تقنياً في أخطاء لوسي ما قبل الختام، فإن حذف الأكور الزائد (تحديداً الأول أو الثاني، باعتبار أن حذف الثالث/ الأخير قد يشوّه القفلة) هو من أبسط المناورات التي تتيحها برامج المونتاج الحديثة.

وهذا ليس ذنْبها، بل مسؤولية أستاذها أو المنتج التنفيذي، الذي يجلس عادةً في غرفة التسجيل والمدوّنة في يده لمتابعة العازف. المنفّر في الموضوع ليس الأخطاء، بل دلالات وجودها، وهي ليست أقل من خيانة للوسي من جانب المحيطين بها. العمى أصاب عيونها، لكنه ارتدّ إلى قلوبهم. وما كان ينقصها سوى سوبر ستار البيانو لانغ لانع، متناسياً أن الأُذن تعشق دون العين في الموسيقى، متلوّياً وراخياً حنكه أمام عزفها ليزيد هالة «الشفقة المبتذلة» حولها، قبل أن يتشارك معها المسرح لتكتمل المسرحية!

نوبويوكي تسوجيي… ساموراي البيانو

أما إن كنتم تريدون أن تعرفوا إلى أي مستوى باستطاعة عازف كفيف أن يصل، فيجب أن تسمعوا الياباني نوبويوكي تسوجيي، الحائز الميدالية الذهبية في مسابقة «فان كلايبرن» المرموقة (2009) والذي حقق إنجازات عدة في إصدار أكثر من ديسك في السنوات الـ15 الأخيرة (معظمها من كلاسيكيات ريبرتوار الحقبة الرومنطيقية)، إلى أن بلغ مستواه توقيعَ عقدٍ مع «دويتشه غراموفون» لمشوارٍ بدأ بديسكٍ يمكن عدّه «الأول» رسمياً، ويعزف فيه الـ«هامركلافير» (رقم 29)، السوناتة الأضخم عند بيتهوفن وربما في الريبرتوار (تصل إلى مستوى ما بعد الإعجاز، لناحية حفظها غيباً، مقارنةً بالـ«مونلايت»). هنا، نحن أمام جدية فنية مجرّدة من حالة العازف الخاصة.

صفر استغلال وترويج للتسجيلات وصاحبها من هذه الزاوية. الصحافة المتخصّصة تناولته في نقد جدّي ومجرّد، كأي إصدار محترم لأي عازف، وهذا طبيعي. في حين لم تتناول أي وسيلة إعلامية موسيقية جدّية ديسك لوسي، الضحية المسكينة، لأن المستفيدين على ظهرها وضعوها ببساطة «تحت النقد» بحجّة أن حالتها الخاصة تمنحها حصانةً تجعلُها «فوقه».

كلمة أخيرة ومختصرة بديسك العازف الياباني العملاق (صدر في 21 آذار/مارس الماضي). حوى التسجيل، أيضاً لبيتهوفن، عملاً غنائياً بإعداد للبيانو المنفرِد من توقيع المجري فرانز لِيسْت (الذي نَقَل «كل شيء» للبيانو المنفرِد!)، لا ضرورة للتوقف عنده، فسحاً بالمجال أمام كلمة سريعة بأدائه لـ«إيفرِسْت» سوناتات البيانو تاريخياً، أي الرقم 29، التي تتألف من أربع حركات شديدة الاختلاف الواحدة عن الأخرى.

أبرز ما يلفت في مقاربة تسوجيي هو اعتماده سرعات إيقاع معتدلة، لا بطء مبالغاً فيه، تحديداً في الحركة الثالثة ذات الطابع التأملي والفلسفي، بحيث لا يستغل حالته الخاصة لتحميل القطعة فائض عواطف بهدف استجلابها لاحقاً من المستمع، ولا سرعة مبالغ فيها (في الحركات الثلاث الأخرى)، لإبراز فائض من المهارات العالية (هو يمتلكها إن احتاجها) بهدف إبهار الجمهور واستجلاب المزيد من الإعجاب. هذا ذكي منه، وفيه تفانٍ كبير، إذ يلغي نفسه ليضعها في موقع احترام المؤلف وخدمة العمل، ومن ورائهما الناس.

عموماً، أداؤه ممتاز للعمل من أوله لآخره. فيه الزخم حيث وجب ذلك، وفيه العمق الفكري لترجمة مشاعر من عالمٍ آخر، وفيه شعور التيه في دهاليز فوضوية ومنظّمة في آن (الحركة الأخيرة). وكي لا نقع في خطأ الشفقة، يجب تسجيل ملاحظة على بعض الجمل في الحركة الأولى، إذ يمكن وصف أداء تسوجيي أحياناً كأنه بحالة إرباك. إرباك خفيّ دفعَنا إلى تكرار السمع عدّة مرات للتأكّد منه.

الملاحظة الثانية تطال الحركة الثالثة، وعيبها غير النافر أن العازف الياباني يبالغ في ثبات سرعة الإيقاع. مزاج هذه التحفة، أكثر ما يليق به (ويحتاجه) التلاعب الإيقاعي الطفيف والموضَعي عند نوتة أو نواة محدّدة، مختارة بعناية، وهذه تقنية/ حالة عزفية ظهرت وبدأت في الانتشار تحديداً في المدة التي وُلِدَت فيها هذه السوناتة. رغم ذلك، إنه ألبوم ممتاز، من عازف كبيرٍ ننصحُ بـ… إلقاء نظرةٍ على نتاجه.

الأكثر قراءة

آسياصنعاء تدعو السلطة اللبنانية لمراجعة حساباتها... وطهران: لن نتخلى عن حزب الله
الأخبار

22.08.2026

لبناننصار يقطع طريق بعبدا على غانم؟
الأخبار

24.08.2026

لبناناحفظوا هذا الاسم: معاوية أبو عرب!
الأخبار

24.08.2026

لبنانإجراءات جديدة في مطارَيْ بيروت ودمشق
الأخبار

24.08.2026

banner بنك عودةbanner بنك عودة
  • من نحن
  • وظائف شاغرة
  • اتصل بنا
  • للإعلان معنا
  • اشترك معنا

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0 2026©

يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك