
رغم انتشار الشاشات المسطّحة حولنا، احتفظ التلفزيون بسحرٍ خاصٍّ يميّزه. فقد خسر دوره في نقل الأخبار والمعلومات، لكنه واصل عرض الأفلام والمسلسلات بوصفها الخيمياء التي أنجبته. ثمّ وصلت البرمجيات إلى أجهزته قبل سنوات، فجعلته يعمل بتطبيقاتٍ تُستخدم على الهواتف والحواسيب.
ومع هذا التحوّل، حمل اسم «التلفزيون الذكي» (Smart TV) وبدأ يتفاعل معنا بدل أن يبقى شاشةَ بثٍّ جامدة، غير أنّه واصل العمل داخل الإطار نفسه: آلة للسرد الجماعي. واليوم، تتسابق شركات التكنولوجيا لزرع الذكاء الاصطناعي في التلفزيون بعدما زرعته في الهواتف والحواسيب.
وقّعت «سامسونغ» اتفاقاً مع شركة «بيربلكسيتي» لتضمين محرّكها المعتمد على الذكاء الاصطناعي في أحدث أجهزة التلفزيون. وأتاحت الأجهزة للمستخدمين اختيار المساعد المفضّل لديهم بين «بيربلكسيتي» و«كوبايلوت» ونسخة «سامسونغ» الخاصّة. وسعت الشركة إلى جعل الشاشة مركزاً للتفاعل الصوتيّ، فنقلت البحث من الكتابة إلى الحوار المباشر مع الجهاز.
وفي المقابل، أضافت «غوغل» مساعدها «جيميني» إلى تلفزيونات TCL QM9K، وأعلنت خطّةً لتوسيعه إلى طرازاتٍ أخرى من «هايسنس» وأجهزةٍ إضافية خلال العام. كما كشفت «إل جي» في معرض CES 2025 عن دمج مساعد «كوبايلوت» من «مايكروسوفت» في تلفزيوناتها الذكية الجديدة التي تطرحها هذا العام.
شكل التلفزيون الجديد
تأثّر التلفزيون بكلّ مرحلةٍ من مراحل تطوّر التكنولوجيا. انتقل من الأبيض والأسود إلى الملوّن، ثم إلى الشاشات الرفيعة العالية الدقة، ثم إلى الاتصال بالإنترنت وتطبيقات البثّ الحديثة. بثّ في بدايته الصورة الجماعية، فوَحّد ما يراه الناس وما يفكّرون فيه، وجعل كلّ بيتٍ يعيش القصة نفسها في اللحظة نفسها. أمّا اليوم، فتتحرّك الشاشة نحو شكلها الجديد وتتحوّل إلى حاسوبٍ قويٍّ مزوّدٍ بذكاءٍ اصطناعيٍّ يعيش داخلها ونتفاعل معه يومياً.
يشبه هذا التحوّل أجهزة «أليكسا»، المساعد الرقمي من شركة «أمازون»، التي باعت أكثر من 600 مليون جهازٍ حول العالم، غير أنّ التلفزيون يتجاوزها بقدراتٍ أوسع وأعمق. يغيّر الذكاء الاصطناعي طبيعة العلاقة بين الإنسان والتلفزيون، فيقترح البرامج قبل أن نبحث عنها، ويعلّق على الأحداث بصوته الاصطناعي، ويحوّل المشاهدة إلى حوارٍ شخصيّ. كما يُدمج التلفزيون مع الأجهزة المنزلية الذكية المتّصلة بالإنترنت، فيتيح التحكّم بها عبره. وتصل قريباً خدماتُ التعرّف إلى الوجه لتسجيل الدخول إلى المحافظ الرقمية والعملات المشفَّرة وخدمات البث الأخرى.
في المقابل، يعزّز التلفزيون حضوره في حياتنا اليومية، فيرصد ما نقول وما نختار وما نتجاهل، ويتحوّل تدريجاً إلى راصدٍ للسلوك عبر البيانات التي يجمعها. ويدخل هكذا مرحلةً جديدةً من وجوده، فيتحوّل من شاشةٍ تُعرض عليها القصص إلى جهازٍ يشارك في صناعتها.
من العرض إلى الإنتاج
لا يقتصر التحوّل على الأجهزة. فقد بدأت شركات البثّ الكبرى تستخدم الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى نفسه. أعلنت نتفليكس في تقريرها الأخير عن انخراطها الكامل في دمج أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي ضمن عمليات الإنتاج، من كتابة السيناريوهات إلى تحسين تجربة المشاهدة. واستخدمت أدواتٍ لتصغير أعمار الممثلين رقميّاً، وصمّمت الأزياء والديكور في مرحلة ما قبل التصوير، وطوّرت أنظمة توصيةٍ تقترح القصص وفقاً لتفاعل المستخدمين. وأظهرت هذه التجارب أنّ الشاشة تتحوّل إلى كيانٍ منتجٍ ينبض بالحركة، يكتب ويبثّ ويتعلّم في الوقت نفسه.
فجعلت الكاميرا جزءاً من الخوارزمية، وأجرت المونتاج لحظةً بلحظة وفقاً لاستجابتنا نحن، ودفعت المحتوى إلى التكيّف مع المزاج والزمن وموقع المشاهد. وجعلت كلّ بثٍّ تجربةً فريدة تُعاد صياغتها بآلاف النسخ، حتى يعيش كلّ مستخدمٍ روايةً مختلفة على الشاشة نفسها.
يتحول التلفزيون من أداةٍ للبث إلى فاعل ثقافي مستقل يراقب ويتعلّم ويُعيد تركيب ما يحصده من بيانات. يستخرج السرد من البيانات، ويحوّل الذوق الشخصي إلى مادةٍ للكتابة. وكلّما ازداد ذكاؤه، ازدادت قدرته على إعادة تشكيل وعينا، فنفقد تدريجاً قدرتنا على تمييز ما اخترناه نحن عمّا اختارته الخوارزمية لنا.

