
لا يعرف المصريون صناعة الأشياء الصغيرة. كان حتمياً، إذا قرروا بناء متحف، أن يكون الأكبر في العالم. وهكذا وُلد «المتحف المصري الكبير» عند سفح أهرامات الجيزة، بعد عقدين من الانتظار وأحلام معلّقة بين البيروقراطية والتمويل. افتُتح الصرح أخيراً، بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي وعدد من القادة والشخصيات الدولية، في احتفال أرادته القاهرة عرضاً للقوة الثقافية والحضارية.
View this post on Instagram
تخلّل الاحتفال عرض فني ضخم جسّد فيه فنانون مصريون شخصيات فرعونية في لوحة رمزية تربط حاضر مصر بتاريخها العريق. وشاركت فرق سيمفونية وراقصة من طوكيو وريو دي جانيرو وباريس عبر بثّ مباشر من العواصم. لكن مشاركة الفنانة شيريهان كانت أكثر ما أثار الجدل، بعدما ظهرت بفستان اعتبره كثيرون لا يمتّ بصلة إلى الهوية المصرية أو فكرة المتحف، فضلاً عن حركاتها المقيدة التي ذكّرت الجمهور بسنواتها الذهبية الماضية أكثر مما خدم العرض نفسه. وسرعان ما استُحضرت المقارنة مع احتفال نقل المومياوات الملكية عام 2021، الذي ترك بصمة بصرية لامعة جعلت افتتاح المتحف يبدو، في رأي كثيرين، دون مستوى التوقعات.
لازمتها ايه الفقره دى #شريهان #المتحف_المصري_الكبير pic.twitter.com/5ZobvWpcLP
— ™ بنت صاحب تويتر 🇪🇬 (@bentmasrya100) November 1, 2025
المتحف الذي يُعدّ الأكبر في العالم المخصّص لحضارة واحدة يمتدّ على مساحة تقارب نصف مليون متر مربع، ويضمّ أكثر من 100 ألف قطعة أثرية، من أبرزها تمثال رمسيس الثاني ومجموعة توت عنخ آمون الكاملة المعروضة للمرة الأولى مجتمعة. بتكلفة بلغت نحو مليار دولار، تراهن الدولة على أن يُشكّل هذا المشروع نقلة نوعية في السياحة الثقافية، ومتنفّساً لاقتصاد يرزح تحت ضغوط الديون والتضخّم.
غير أنّ هذه الاحتفالات الفخمة تثير استياء شريحة من المصريين، إذ تأتي في وقت تواجه فيه البلاد التزامات خارجية تتجاوز 43 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الحالي، وفق بيانات البنك الدولي. ويتساءل منتقدون عن أولويات الإنفاق في ظل الأزمة المعيشية الخانقة، مطالبين الدولة بالتركيز على استعادة الآثار المنهوبة من المتاحف العالمية، بدلاً من الاكتفاء بالاحتفاء بما تبقّى داخل الحدود.
فمنذ أحداث الربيع العربي، شهدت المنطقة نشاطاً واسعاً في تهريب الآثار. إذ كشفت «سلطة الآثار الإسرائيلية » آنذاك عن ازدهار السوق السوداء للمكتشفات الأثرية القادمة من مصر وسوريا والعراق، مستغلةً الفوضى التي رافقت الثورات والحروب. وأكد مدير «وحدة مكافحة سرقة الآثار في إسرائيل»، شاي بار طوبا، أنّ سيناء تحوّلت إلى معبر رئيسي لتهريب القطع المصرية المسروقة عقب الثورة، في مشهد يعيد إلى الأذهان ما حدث في العراق بعد الغزو الأميركي ونهب متاحفه.

