
منذ أيام وحسابات السوريين على منصات التواصل الاجتماعي تتبادل الآراء والاتهامات حول حادثة الهجوم على الشيخ محمد خير الشعال وطرده من مساجد سوريا. يعكس الخلاف حول الشعّال انقساماً متجذّراً في المشهد الديني السوري، وخصوصاً في الشارعين الدمشقي والحلبي، بعد سقوط نظام «البعث» نهاية العام الفائت، إذ يتجاوز الصراع حدود النقاش الفكري إلى تنازع على المرجعية الدينية والسلطة الرمزية داخل المساجد والمنابر في سوريا في ظلّ الرئيس أحمد الشرع.
الشيخ الشعّال في مرمى التشدد
«أشعري، صوفي، شبيح، وعقيدته فاسدة» واحد من مقاطع الفيديو التي انتشرت، مظهرةً رجال دين سلفيين يكفّرون الشيخ الشعال، ويعتبرون أنّ لفظة «شيخ» تُقال له للدلالة إلى عمره لا أكثر. واجتهدت بعض الحسابات العامة على منصات التواصل الاجتماعي في مشاركة صور ومقاطع فيديو للشعال وهو يصلّي خلف الرئيس السوري السابق بشار الأسد في المناسبات الدينية، أو الإشارة إلى أنّ والدته من آل «السيد».
يُعدّ الشعّال أحد أبرز الدعاة المنتمين إلى المدرسة الأشعرية والصوفية الوسطية في دمشق، وأحد أكثر العلماء حضوراً على المنابر ووسائل التواصل. غير أنّه وجد نفسه أخيراً هدفاً لهجوم شنّه متشددون سلفيون، طردوه من عدد من المساجد في حرستا والقارة في ريف دمشق، ما دفع بعض الحاضرين إلى الوقوف أمامه للتصدّي لأي محاولة اعتداء قد يتعرّض لها. هذه الحادثة لم تكن مجرد خلاف بين دعاة، بل علامة على احتدام الصراع بين تيّار متمسك بالتراث الأشعري الدمشقي الذي شكّل لعقود وجه الإسلام الرسمي في سوريا، وآخر يحمل فكراً سلفياً وافداً تغذّى من سنوات الحرب وانتشار الجماعات المتشددة.
وعرف السوريون الشعّال وهو طبيب ورجل دين في السنوات الأخيرة عبر مقاطع مصوّرة لخطبه ودروسه، انتشرت على نطاق واسع بفضل متابعيه. وقد عُرف بخطابه الاجتماعي السلس وحس فكاهته وقدرته على مخاطبة الناس بلغة قريبة من واقعهم، مثل الفيديو الشهير الذي تفاعل فيه مع رسالة سيدة قالت إنها بدأت بضرب زوجها لمنعه من ضربها، فضحك الشيخ بعفوية جعلت المقطع ينتشر بشكل كبير.
ضغوط على المنابر والمناهج
تفيد مصادر دينية في دمشق بأنّ الأشهر الأخيرة شهدت ضغوطاً متزايدة على الأئمة والخطباء لتعديل خطبهم بما يتماشى مع رؤية الحكومة، إلى جانب إدخال مناهج جديدة في المدارس الشرعية تقلّل من حضور الفكر الأشعري والصوفي، وتقدّم بدائل ذات طابع أكثر تشدداً. وتفاعل السوريون مع ما حدث بوصفه إشارةً إلى تحولات تمثّل خطراً وجودياً على التنوع السوري، إذ تحوّل الدين من عامل توحيد إلى أداة تفكيك، تهدّد ما تبقّى من النسيج الاجتماعي الهشّ.
منذ وصول «هيئة تحرير الشام» إلى الحكم في سوريا، تكثفت محاولات إعادة صياغة الهوية الدينية بما يتوافق مع المنهج السلفي السياسي. ظهر ذلك عبر تعديلات على المناهج، وإحياء صلاة الجمعة في الشوارع، والسماح لدعاة متشددين باعتلاء منابر رئيسية، في مقابل تهميش العلماء التقليديين المعروفين بوسطيتهم. وقد أدّى هذا التحول إلى انتشار خطابات تحريضية ودعوات إلى «الجهاد»، خصوصاً في فترات التوتر في الساحل السوري، ما زاد الشرخ بين المكوّنات الدينية والمذهبية.
انقسام الرأي العام حول «تصحيح الدين»
وسعى من يتولّون إدارة الشأن الديني حالياً من مشايخ متشددين وقيادات دينية نافذة إلى فرض نموذج ديني واحد يتنافى مع التعدد الذي شكّل لبّ الهوية السورية عبر قرون، مستندين إلى تفسيرات ضيقة للنصوص الدينية وإلى فكر ابن تيمية. بما يعكس أنّ ما يحدث، ليس مجرد خلاف لاهوتي، بل مشروع منظّم لإعادة تشكيل المجتمع السوري على أسس عقائدية متشددة، تحت شعار «تصحيح المفاهيم الدينية».
الهجوم على الشعّال أثار انقساماً حاداً على وسائل التواصل الاجتماعي. بينما دعا بعض المقرّبين من السلطة وزارة الأوقاف إلى منعه من إلقاء الدروس والخطب، عبّر آخرون عن تضامنهم معه، محذّرين من المساس بما تبقّى من الأصوات المعتدلة. الإعلامي سمير متيني نشر مقطع فيديو دعا فيه جمهوره إلى دعم الشعّال ووقف «الهجمة على العلماء الوسطيين»، فيما اكتفى آخرون بالدعوة إلى «ضبط الخطاب الديني من دون الإقصاء».
وفي خضمّ الجدل، أصدر الشيخ محمد خير الشعّال بياناً قال فيه: «عذراً لكل مكلومٍ ثائرٍ ومرابط صابرٍ آلمه يوماً قولي أو فعلي، فما أردتُ إيلامهم، وهم إخواننا على العين والرأس، ولهم علينا يد لا تُنسى»، مضيفاً «كانت فرص السفر متاحة أمامي للنجاة والراحة، لكنني آثرت البقاء لمواساة الناس وتعليمهم ودعمهم، فقد واجهوا أهوالاً وآلاماً من إجرام النظام البائد».

